ومنها ما رواه الطبراني عن محمد بن إسحاق١ بن راهويه، حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن رجلٍ سمَّاه، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر/ ٣٢] الآية، قال: "السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنَّة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرا ثمَّ يدخل الجنَّة"٢.
ومنها ما رواه ابن لهيعة عن ابن أبي جعفر٣، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول في٤ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾[فاطر/ ٣٢] قال: "فأمَّا السَّابقون فيدخلون الجنَّة بغير حساب، وأمَّا المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأمَّا الظالمون فيحاسبون، فيصيبهم عناءٌ وكرب، ثمَّ يدخلون الجنَّة، ثم يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾[فاطر/ ٣٤] ".
ومنها ما رواه الحميدي، حدَّثنا سفيان، حدثنا طُعْمة٥ بن عمرو
(١) "ف": "الحسن"، تحريف.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٦٢)، والبيهقي في البعث (٦٢) من طريق جرير عن الأعمش به. وجاء هذا الحديث من طرق أخرى عن الأعمش وغيره عند أحمد (٢١٦٩٧) والطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣٧)، والبخاري في تاريخه (٨/ ١٧ - ١٨). ولعلَّ أصح الطرق الطريق المرسلة. انظر تفصيل الخلاف في التاريخ الكبير. فالحديث ضعيف الإسناد لجهالة حال الراوي عن أبي الدرداء. (ز).
(٣) "ك، ط": "عن أبي جعفر".
(٤) "في": ساقطة من "ط".
(٥) "ب، ك": "طعيمة"، تحريف.
الجعفري، عن رجلٍ قال: قال أبوالدرداءِ لرجل: ألا أحدثك بحديث أخصُّك به، لم أحدث به أحدًا؟ قال رسول اللَّه ﷺ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[فاطر/ ٣٢]. قال: "جنَّات عدن"١ قال: "دخلوا الجنَّة جميعًا"٢.
واحتجت أيضًا بالآيات والأحاديث التي تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنَّة.
واحتجت أيضًا بأنَّ "ظلم النفس" إنَّما يُرادَ به٣ ظلمُها بالذنوب والمعاصي، فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم في حق النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها، وظلم في حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم في حق الرب بالشرك به. فظلم النفس إنَّما هو بالمعاصي، وقد تواترت النصوص بأنَّ العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنّة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية٤[آل عمران/ ١٣٥].
وقالت طائفة: بل الوعد بالجنَّات إنَّما هو للمقتصد والسابق، دون الظالم لنفسه. فإنَّ الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق، والظالم لنفسه هنا هو: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: المؤمن التقي.
(١) كذا في الأصل وغيره، وقارن بما في "ط".
(٢) انظر تاريخ البخاري، الموضع السابق.
(٣) "ك، ط": "بها".
(٤) "كقوله تعالى. . . " إلى هنا ساقط من "ب، ك، ط"، وهو ثابت في حاشية الأصل.