وهذا يروى عن عكرمة١، والحسن٢، وقتادة٣. وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشَّاف٤، ومنذر٥ بن سعيد في تفسيره، والرماني٦، وغيرهم.
قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم. وهي نظير آية: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ٧ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ٩ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾[الواقعة/ ٧ - ١٠]. قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون، وأصحاب المشأمة هم٧ الظالمون لأنفسهم، والسابقون٨ هم السابقون بالخيرات.
قالوا: ولم يصطفِ اللَّه من خلقه ظالمًا لنفسه، بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم، والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع عليهم اسم المصطفين ويتناولهم فعل الاصطفاء؟
(١) أخرجه الطبري (٢٢/ ١٢٥). (ز).
(٢) أخرجه الطبري (٢٢/ ١٣٥)، والبيهقي في البعث (٧٦،٧٥) وهو ثابت عنه (ز).
(٣) أخرجه الطبري (٢٢/ ١٣٥)، وهو ثابت عنه (ز).
(٤) الكشاف (٣/ ٦١٢).
(٥) "ب": "رزين". تحريف. وهو أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي (٣٥٥ هـ) كان فقيهًا محققًا ونحويًا وعالمًا بالتفسير. سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٧٣).
(٦) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني، (٣٨٤ هـ)، المعتزلي، من كبار النحاة، صاحب التصانيف في التفسير والنحو واللغة. إنباه الرواة (٢/ ٢٩٤)، السير (١٦/ ٥٣٣).
(٧) "هم" ساقط من "ك، ط".
(٨) "ك، ط": "والسابقون السابقون".
قالوا: وأيضًا فصفوة اللَّه١ هم أحباؤه، واللَّه لا يحب الظالمين، فلا يكونون٢ مصطفين.
قالوا: ولأنَّ الظالم لنفسه، وإن كان ممن أُورث الكتاب، فهو بتركه العمل٣ بما فيه قد ظلم نفسَه، واللَّه سبحانه إنِّما اصطفى من عباده من أورثه كتابَه ليعمل بما فيه. فأمَّا من نبذه وراءَ ظهره فليس من المصطفين من عباده.
قالوا: ولأنَّ الاصطفاء افتعال من صفوة الشيء، وهو خلاصته ولبّه، وأصله اصتفى، فأبُدلت التاءُ طاءً لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه. والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبّهم، فلا يكون مصطفى.
قالوا: ولأنَّ اللَّه سبحانه سلَّم على المصطفين من عباده فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾[النمل/ ٥٩]. وهذا يقتضي سلامتهم من كلِّ شرٍّ ومن٤ كلِّ عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا، فكيف يكون من المصطفين؟