طريق الهجرتين

جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان/ ١٥]، وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران/ ١٣٣]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ٣٢ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ٣٣ وَكَأْسًا دِهَاقًا ٣٤ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ٣٥ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ/ ٣١ - ٣٦]. والقرآن مملوءٌ من هذا، ولم يجئ فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم لنفسه أصلًا.

قالوا: وأيضًا فلم يجيء في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في معرض الوعيد لا الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٥ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ٧٦﴾ [الزخرف/ ٧٤ - ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ/ ١٩]١، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٥٧﴾ [البقرة/ ٥٧]٢. وقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ١٢٤﴾ [البقرة/ ١٢٤]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٤﴾ [يونس/ ٤٤]٣.

قالوا: وأيضًا فالظالم لنفسه هو الذي خفَّت موازينه، ورجحت سيئاته، والقرآن كلُّه يدلُّ على خساره٤ وأنَّه غير ناج، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ

  1. (١) وقع في الأصل وغيره من النسخ: "قالوا ربنا. . . " وهو سهو.
  2. (٢) "ب، ك، ط": "وما ظلمناهم. . . "، وهي آية أخرى في سورة النحل (١١٨).
  3. (٣) سقطت هذه الآية والتي قبلها من "ب، ك، ط".
  4. (٤) "ب، ط": "خسارته".
416

خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف/ ٨ - ٩]، وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ٨﴾١ [القارعة/ ٨ - ٩]. فكيف يذكر وعده بجنَّاته وكرامته للظالمين أنفسَهم، الخفيفة موازينُهم؟

قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر/ ٣٣]٢ مرفوع، لأنَّه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر/ ٣٢]، وهو بدل نكرة من معرفة، كقوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ١٥ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق/ ١٥ - ١٦] وحسَّن وقوعَه مجيءُ النكرة موصوفةً لِتخصُّصها٣ بالوصفِ وقربها من المعرفة. ومعلومٌ أنَّ المبدل منه وهو "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أنَّ سبقَهم بالخيرات بإذنه٤ هو٥ الفضل الكبير، وهو جنَّات عدن يدخلونها؛ وجعل السبق بالخيرات نفسَ الجنَّات لأنَّه سببها وموجبها.

قالوا: وأيضًا فإنَّه وصفَ حليتَهم فيها بأنَّها أساور من ذهبٍ ولؤلؤ، وهذه جنَّات السابقين لا جنَّات المقتصدين. فإنَّ جنَّات الفردوس أربع، كما ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "جنَّتان من ذهبٍ آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما. وجنَّتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنَّة

  1. (١) وقع في الأصل وغيره من النسخ: "ومن خفت. . . "، وهو سهو.
  2. (٢) "يدخلونها" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) كذا في الأصلِ، وفي غيره: "لتخصيصها".
  4. (٤) أشار في حاشية "ط" إلى أن في الأصل بياضًا بعد "بإذنه". ولكن لا بياض في النسخ التي بين أيدينا.
  5. (٥) "ك، ط": "ذلك هو".
417

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي