قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾[فاطر/ ٣٣]٢ مرفوع، لأنَّه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾[فاطر/ ٣٢]، وهو بدل نكرة من معرفة، كقوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ١٥ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾[العلق/ ١٥ - ١٦] وحسَّن وقوعَه مجيءُ النكرة موصوفةً لِتخصُّصها٣ بالوصفِ وقربها من المعرفة. ومعلومٌ أنَّ المبدل منه وهو "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أنَّ سبقَهم بالخيرات بإذنه٤ هو٥ الفضل الكبير، وهو جنَّات عدن يدخلونها؛ وجعل السبق بالخيرات نفسَ الجنَّات لأنَّه سببها وموجبها.
قالوا: وأيضًا فإنَّه وصفَ حليتَهم فيها بأنَّها أساور من ذهبٍ ولؤلؤ، وهذه جنَّات السابقين لا جنَّات المقتصدين. فإنَّ جنَّات الفردوس أربع، كما ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: "جنَّتان من ذهبٍ آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما. وجنَّتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهه في جنَّة
(١) وقع في الأصل وغيره من النسخ: "ومن خفت. . . "، وهو سهو.
(٢) "يدخلونها" ساقط من "ك، ط".
(٣) كذا في الأصلِ، وفي غيره: "لتخصيصها".
(٤) أشار في حاشية "ط" إلى أن في الأصل بياضًا بعد "بإذنه". ولكن لا بياض في النسخ التي بين أيدينا.
(٥) "ك، ط": "ذلك هو".
عدن"١، ومعلوم أنَّ الجنتين الذهبيتين أعلى وأفضل من الفضيتين، فإذا كانت الجنَّتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنَّتين الفضيتين؟ فعُلِمَ أنَّ هذه الجنَّات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم.
قالوا: وأيضًا فإنَّ أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين هم السابقون بالخيرات، فوجبَ اختصاصهم بالدخول إلى الجنَّاتِ المذكورة٢.
قالوا: وفي اختصاصهم -بعد ذكر الأقسام- بذكر ثوابهم، والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن، إذ يصرِّح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين والمحسنين ومن رجحت حسناتهم، وبذكر٣ عقاب الكفَّار والفجَّار والظالمين لأنفسهم ومن خفَّت موازينهم، ويسكت عن القسم الذي فيه شائبتان وله مادَّتان. هذه طريقة القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ١٣ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ١٤﴾[الانفطار/ ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى ٣٧ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ٣٨ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ٣٩ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ٤١﴾[النازعات/ ٣٧ - ٤١] وهذا كثير في القرآن.
قالوا: وفي السكوت عن شأن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له، فإنَّ٤ أمره مرجأٌ إلى اللَّه، وليس له٥ عليه ضمان، ولا له
(١) أخرجه البخاري في التفسير (٤٨٧٨) وغيره، ومسلم في الإيمان (١٨٠) عن أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) "ب، ك، ط": "المذكورات".
(٣) معطوف على "بذكر ثوابهم"، وفي "ف" وغيرها: "يذكر".