فذكر حالهم في القيامة الكبرى في أوَّل السورة، ثمَّ ذكر حالهم في القيامة الصغرى في البرزخ في آخر السورة. ولهذا قدَّم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح٣، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٨٧﴾، ثمَّ قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨﴾ إلى آخرها.
وأمَّا سورة الإنسان فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ٤﴾، فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة. ثمَّ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥﴾، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين. ثمَّ قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ٦﴾، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصَّهم بالإضافة إليه، وأخبرَ أنَّهم يشربون بتلك العين صِرفًا محضًا١، وأنَّها تُمزَج للأبرار مزجًا، كما قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾.
وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾ ولم يقل: "منها"، إشعارًا بأنَّ رِيَّهم٢ بالعينِ نفسِها خالصةً لا بها وبغيرها. فضمّن "يشرب" معنى "يروى"، فعدَّى بالباء. وهذا ألطف مأخذًا وأحسن معنى من أن تُجعل الباءُ بمعنى"من"، ولكن٣ يُشرَب الفعلُ معنى فعل آخرَ فيعدَّى٤ تعديته. وهذه طريقة الحذَّاق من النحاة، وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه٥. وقال في الأبرار: ﴿مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾
(١) "ب، ك": "محضة".
(٢) "ط": "شربهم".
(٣) "ط": "ويضمن"، خطأ.
(٤) "ك": "فتعدَّى"، "ط": "فيتعدى".
(٥) انظر نحو هذا الكلام في بدائع الفوائد (٤٢٤)، وحادي الأرواح (٢٦٤)، وانظر: مقدمة في أصول التفسير (٥٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ١٧٨)، والتبيان في أقسام القرآن (٩٥)، والخصائص لابن جني (٢/ ٣٠٨ - ٣١١)، =