طريق الهجرتين

وجزاءهم.

وقالوا: وأيضًا فهذه طريقة القرآن في ذكر أصناف الخلق الثلاثة، كما ذكرهم تعالى في سورة الواقعة والمطففين وسورة الإنسان١.

فأمَّا سورة الواقعة، فذكرهم في أولها وفي آخرها، فقال في أولها: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ٧ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ٨ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ٩ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ١١ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة/ ٧ - ١٢] فأصحاب المشأمة هم الظالمون. وأمَّا أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أصحاب الميمنة، وسابقون وهم المقربون.

وقال٢ في آخرها: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ٨٩ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ٩٠ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ٩١ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ٩٢ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ٩٣ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤﴾.

فذكر حالهم في القيامة الكبرى في أوَّل السورة، ثمَّ ذكر حالهم في القيامة الصغرى في البرزخ في آخر السورة. ولهذا قدَّم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح٣، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٨٧﴾، ثمَّ قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨﴾ إلى آخرها.

وأمَّا في أوَّلها فذكر أقسام الخلق عقب٤ قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)

  1. (١) "ب": "الواقعة وسورة الإنسان والمطففين".
  2. (٢) "قال" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "في آخر السورة. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
  4. (٤) "ف": "عقيب" خلاف الأصل.
420

لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة/ ٢ - ٧].

وأمَّا سورة الإنسان فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ٤﴾، فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأمة. ثمَّ قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥﴾، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين. ثمَّ قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ٦﴾، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصَّهم بالإضافة إليه، وأخبرَ أنَّهم يشربون بتلك العين صِرفًا محضًا١، وأنَّها تُمزَج للأبرار مزجًا، كما قال في سورة المطففين في شراب الأبرار: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾.

وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾ ولم يقل: "منها"، إشعارًا بأنَّ رِيَّهم٢ بالعينِ نفسِها خالصةً لا بها وبغيرها. فضمّن "يشرب" معنى "يروى"، فعدَّى بالباء. وهذا ألطف مأخذًا وأحسن معنى من أن تُجعل الباءُ بمعنى"من"، ولكن٣ يُشرَب الفعلُ معنى فعل آخرَ فيعدَّى٤ تعديته. وهذه طريقة الحذَّاق من النحاة، وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه٥. وقال في الأبرار: ﴿مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾

  1. (١) "ب، ك": "محضة".
  2. (٢) "ط": "شربهم".
  3. (٣) "ط": "ويضمن"، خطأ.
  4. (٤) "ك": "فتعدَّى"، "ط": "فيتعدى".
  5. (٥) انظر نحو هذا الكلام في بدائع الفوائد (٤٢٤)، وحادي الأرواح (٢٦٤)، وانظر: مقدمة في أصول التفسير (٥٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ١٧٨)، والتبيان في أقسام القرآن (٩٥)، والخصائص لابن جني (٢/ ٣٠٨ - ٣١١)، =
421

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي