طريق الهجرتين

والمقصودُ أنَّ الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أوَّلًا وآخرًا.

قالوا: وأمَّا١ قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ لا يرجع إلى المصطفين، بل إمَّا أن يكون الكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾، ثمَّ استأنف جملةً أخرى، ذكر٢ فيها أقسام العباد، وأنَّ٣ منهم ظالم، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق. ويكون الكلام جملتين مستقلتين، بيَّن في إحداهما أنَّه أورثَ كتابَه مَن اصطفاه من عباده، وبيَّن في الأُخرى أنَّ من عباده ظالم، ومقتصد، وسابق٤. وإمَّا أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب، وأنَّ منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قَبِلَه مقتصدًا فيه، ومنهم من قَبِله سابقًا بالخيرات بإذن ربِّه٥.

قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنَّه سبحانه ذكر إرساله في كلِّ أمة نذيرًا ممَّن تقدم هذه الأمة، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ٢٤﴾ [فاطر/ ٢٤]. ثمَّ ذكر أنَّ رسلهم جاءَتهم بالبينات وبالزبُر وبالكتاب المنير. فالبينات٦: الآيات الدَّالّة على صدقهم وصحَّة رسالتهم٧. والزبر: الكتب٨، واحدها زبور بمعنى مزبور أي

  1. (١) "أمَّا" ساقط من "ط".
  2. (٢) "ب، ك، ط": "وذكر".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره على أنّ اسم أن محذوف، وفي "ط": "أنَّهم".
  4. (٤) كذا في الأصل وغيره، وفي "ط": "ظالمًا ومقتصدًا وسابقًا".
  5. (٥) "ب، ك، ط": "بإذن اللَّه".
  6. (٦) "فالبينات" ساقط من "ط"، وفي "ك": "والبينات".
  7. (٧) "ط": "رسالاتهم".
  8. (٨) "ط": "الكتاب".
426

مكتوب. و"الكتاب المنير"١. من باب عطفِ الخاصِّ على العام، لتميزه٢ عن المسمَّى العام بفضيلة وشرف٣ امتاز بها واختص بها٤ عن غيره. وهو كعطف جبريل وميكائل على الملائكة٥، وكعطف أولي العزم٦ على النبيين من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب/ ٧]. والكتاب المنير هاهنا هو٧ التوراة والإنجيل.

ثمَّ ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله، فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦﴾ [فاطر/ ٢٦]. ثمَّ ذكر التالين لكتابه، وهم المتبعون له العاملون بشرائعه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ ٣٠﴾ [فاطر/ ٢٩ - ٣٠]٨.

ثمَّ ذكر الكتاب الذي خصَّ به خاتمَ أنبيائه ورسله محمدًا ﷺ فقال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ٣١﴾ [فاطر/ ٣١]. ثمَّ ذكر سبحانه من أورثهم سبحانه الكتابَ بعد أولئك، وأنَّه اصطفاهم لتوريث كتابه، إذ ردَّه المكذبون ولم يقبلوا

  1. (١) "ف، ك": "المبين"، تحريف.
  2. (٢) "ف، ك، ب": "ليميزه"، وقد ضبط في الأصل بالتاء.
  3. (٣) "ط": "بفضله وشرفه".
  4. (٤) "بها" كذا هنا ومن قبل في الأصل وغيره، والضمير عائد إلى "الفضيلة".
  5. (٥) "ميكائل": كذا في الأصل و"ف". وهي قراءة نافع المدني، وفي "ب": "ميكائيل". وفي "ك": "ميكال".
  6. (٦) في الأصل: "أولو العزم" بالرفع، سهو.
  7. (٧) "هو" ساقط من "ط".
  8. (٨) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط" أكملت الآية.
427

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي