قالوا: وأمَّا قولكم إنَّ الاصطفاء افتعال من الصفوة، وهي الخيار، وهي إنَّما تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أنَّ الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه اللَّه من عباده، وقد تقدم١ تقريره.
قالوا: وأمَّا الآثارُ التي رويتموها عن النبيّ ﷺ في ذلك فكلها ضعيفة الأسانيد أو منقطعة٢ لا تثبت، كيف وهي معارَضةٌ بآثار مثلها أو أقوى منها.
قال ابن مردويه في تفسيره: حدثنا الحسن بن عبيد اللَّه بن الحسن٣، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن المعلَّى الأدمي، حدثنا حفص بن عمار، حدثنا مبارك بن فضالة، عن عبيد اللَّه ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر/ ٣٢] قال: "الكافر"٤.
قالوا: وأمَّا النصوص الدالّة على أنَّ أهل التوحيد يدخلون الجنَّة فصحيحة لا ننازعكم فيها، غير أنَّها مطلقة، ولها شروط وموانع. كما أنَّ النصوص الدَّالّة على عذاب أهل الكبائر٥ صحيحة متواترة، ولكن٦ لها شروط٧ وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها، فكذلك نصوص
(١) "ب": "سبق".
(٢) "ب، ك، ط": "ومنقطعة".
(٣) "ط": "الحسن بن عبد اللَّه".
(٤) سنده ضعيف فيه حفص بن عمار المعلم. قال الذهبي: "مجهول". وله أحاديث منكرة ساقها ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢). (ز).
(٥) "ف": "أهل النار" تحريف.
(٦) "لكن" ساقط من "ط".
(٧) "ب": "شروطًا".
الوعد يتوقف مقتضاها على شروطها وانتفاء موانعها.
قالوا: وأمَّا قولكم إنَّ "ظلم النفس" إنَّما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكرنا من١ القرآن ما يدل على أنَّ ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه٢: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾[البقرة/ ٥٤] وقوله: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾[سبأ/ ١٩]، ونظائره كثيرة.
قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حقَّ تدبره، وأعطيتم الآيات حقَّها من الفهم، وراعيتم وجوهَ الدلالة٣ وسياق الكلام، لعلمتم أنَّ الصوابَ معنا، وأنَّ هذه الأقسام الثلاثة هي الأقسام التي خلقت للجنَّة، وهم درجات عند اللَّه٤؛ وأنّ هذا التقسيم الذي دلّت عليه أخصُّ من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان والمطفّفين. فإنّ ذلك تقسيمٌ للناس إلى شقيّ وسعيد، وتقسيمٌ للسعداء٥ إلى أبرار ومقرّبين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه. وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأُمّة إلى محسن ومسيء، فالمسيء٦ هو الظالم لنفسه، والمحسن نوعان: مقتصد، وسابق بالخيرات. فإنّ الوجود شامل لهذا
(١) "ط": "ذكر في". "ك": "ذكرنا في القرآن ما دلَّ".
(٢) "لقومه" ساقط من "ك، ط".
(٣) "ط": "وجوهه الدالة".
(٤) "وأنَّ هذه الأقسام. . . " إلى هنا ساقط من "ط".