قالوا: وأمَّا قولكم إنَّ "ظلم النفس" إنَّما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكرنا من١ القرآن ما يدل على أنَّ ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه٢: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾[البقرة/ ٥٤] وقوله: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾[سبأ/ ١٩]، ونظائره كثيرة.
قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حقَّ تدبره، وأعطيتم الآيات حقَّها من الفهم، وراعيتم وجوهَ الدلالة٣ وسياق الكلام، لعلمتم أنَّ الصوابَ معنا، وأنَّ هذه الأقسام الثلاثة هي الأقسام التي خلقت للجنَّة، وهم درجات عند اللَّه٤؛ وأنّ هذا التقسيم الذي دلّت عليه أخصُّ من التقسيم المذكور في سورة الواقعة والإنسان والمطفّفين. فإنّ ذلك تقسيمٌ للناس إلى شقيّ وسعيد، وتقسيمٌ للسعداء٥ إلى أبرار ومقرّبين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه. وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأُمّة إلى محسن ومسيء، فالمسيء٦ هو الظالم لنفسه، والمحسن نوعان: مقتصد، وسابق بالخيرات. فإنّ الوجود شامل لهذا
(١) "ط": "ذكر في". "ك": "ذكرنا في القرآن ما دلَّ".
(٢) "لقومه" ساقط من "ك، ط".
(٣) "ط": "وجوهه الدالة".
(٤) "وأنَّ هذه الأقسام. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
(٥) "ك، ط": "السعداء".
(٦) قراءة "ف": "والمسيء".
القسم، بل هو أغلب أقسام الأمة، فكيف يخلو القرآن عن ذكره وبيان حكمه؟ ثمّ لمّا استوفى أقسام الأُمة ذكر الخارجين عنهم، وهم الذين كفروا، فعمّت الآية أقسامَ الخلق كلِّهم. وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد أهملَتْ ذِكرَ القسمِ الأغلب الأكثر، وكرّرت ذكر حكم الكافر أوَّلًا وآخرًا. ولا ريبَ أنَّ ما ذكرناه أولى لبيان حكم١ هذا القسم، وعموم الفائدة.
أيضًا فإنَّ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾[فاطر/ ٣٢] صريح في أنَّ الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده. وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر/ ٣٢] إمَّا أن يرجع إلى الذين اصطفاهم، وإمَّا أن يرجع إلى العباد. ورجوعُه إلى "الذين اصطفينا"٢ أولى٣ لوجهين:
أحدهما: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾٤[فاطر/ ٣٢] إنَّما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد، فكذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾[فاطر/ ٣٢]. ولا يقال: بل الضمائر كلّها تعود على العباد، لأنَّ سياق الآية والإتيان بالفاءِ والتقسيم المذكور كلَّه يدلّ على أنَّ المراد بيانُ أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العباد، إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يُزيل الوهمَ، ولا يلتبس به المراد بغيره، وكان وجهُ الكلام٥ على