ونكتةُ المسألة أنَّ الاصطفاء والولاية والصديقيّة وكون الرجل من الأبرار والمتّقين١ ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزّي٢ والانقسام والكمال والنقصان، كما هو ثابتٌ باتفاق السلف٣ في أصل الإيمان. وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفًى من وجه، ظالمًا لنفسه من وجه آخر.
وظلم النفس نوعان: نوعٌ لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية٤ والاصطفاء، وهو ظلمها بالشرك والكفرِ. ونوع يبقى معه حصَّةٌ٥ من الإيمان والاصطفاء والولاية، وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدرِ والوصف.
قالوا: وأمَّا قولكم إنَّ قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾[فاطر/ ٣٣] مرفوع، لأنَّه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾[فاطر/ ٣٢]، وهو مختصٌّ بالسابقين، وذكرُ٦ حليتِهم فيها من أساور من ذهبٍ يدلُّ
= الحدود (٦٧٨٠).
(١) "ك، ط": "ومن المتقين".
(٢) كذا وردَ في الأصلِ وغيره، وهو مصدر تجزّى بتسهيل الهمزة.
(٣) "ك، ط": "المسلمين".
(٤) زاد بعدها في "ب، ك، ط": "والصديقية".
(٥) كذا في الأصل و"ف". والحصّة: النصبب. وفي "ب، ك، ط": "حظّه". ولا يستبعد كتابة الظاء ضادًا، ولكنِّي رأيت ناسخ الأصل تعود العكس، فهو يكتب الضاد ظاءً، فكتب "الظن" مكان "الضن" (١٠٣/ أ)، و"الحظ" مكان. "الحض" (١٠٦/ ب).
(٦) "ذكر" ساقط من "ب".
على ذلك إلى آخره، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ هذا بعينه وارد عليكم، فإنَّ المقتصد من أهل الجنَّات، ومعلوم أنَّ جنَّات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جنَّاته١. فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه، فإنَّ التفاوت حاصل بين جنَّات الأصناف الثلاثة، ويختصُّ كلُّ صنفٍ بما يليق بهم٢ ويقتضيه مقامُهم وعلمهم.
الجواب الثاني: أنَّه سبحانه ذكر جزاءَ السابقين بالخيرات هنا مشوِّقًا لعباده إليه منبِّهًا لهم على مقداره وشرفه، وسكت عن جزاءِ الظالمين لأنفسهم والمقتصدين، ليحذر الظالمون ويجدَّ٣ المقتصدون.
وذكر في سورة الإنسان جزاءَ الأبرار منبِّهًا به٤ على ما هو أعلى وأجل منه، وهو جزاءُ المقرَّبين السابقين، ليدلّ على أنَّ هذا٥ إذا كان جزاء الأبرار٦ المقتصدين فما الظنّ بجزاءِ المقربين السابقين؟ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥﴾ إلى قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ١٥ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ٢١﴾[الإنسان/ ٥ - ٢١].