فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت أنَّ رجلًا دخل المسجد، فقال: اللَّهم ارحمْ غربتي، وآنسْ وحشتي، وسُقْ لي جليسًا صالحًا، فقال أبو الدرداء: إنْ كنت صادقًا أنا١ أسعد بذلك منك، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾[فاطر/ ٣٢] قال: "أمَّا السابق بالخيرات فيدخل٢ الجنَّة بغير حساب، وأمَّا المقتصد فيحاسَب حسابًا يسيرًا، وأمَّا الظالم لنفسه فيحاسب٣ في المقام حتى يدخله الهمّ والحزن، ثمَّ يدخل الجنَّة". ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾٤[فاطر/ ٣٤].
وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث ابن أبي ليلى٥، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن أسامة بن زيد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾[فاطر/ ٣٢] قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "كلُّهم من هذه الأمة"٦.
وروى ابن مردويه أيضًا من حديث الفضل بن عميرة القيسي٧، عن ميمون بن سِياه، عن أبي عثمان النهدي قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "سابقنا سابقٌ،
وروى أيضًا من حديث أبي داود عن شعبة، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعتُ رجلًا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد أنَّ النبي ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾[فاطر/ ٣٢] قال: "كلُّهم في الجنَّة". أو قال؛ "كلُّهمْ بمنزلةٍ واحدة" قال شعبة أحدهما. ورواه داود بن إبراهيم عن شعبة به، وقال٢: "دخلوا الجنَّة كلّهم". أو "كلّهم٣ بمنزلة واحدة". فهذا حديث صحيح إلى شعبة، وإذا كان شعبة في حديث لم يُطرَح، بل شُدَّ يديك به. ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار، فذكره بمثله٤. وروى محمد بن سعد٥، عن أبيه، عن عمِّه، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
(١) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٤٣)، والبيهقي في البعث (٦٥)، والواحدي في الوسيط (٣/ ٥٠٥). قال العقيلي: "ولا يتابع على حديثه -يعني الفضل بن عميرة"، وقال أيضًا: "وهذا يروى من غير هذا اللفظ بإسناد أصلح من هذا". وروي موقوفًا على عمر عند البيهقي في البعث (٦٦) وقال: غير قوي. (ز).
(٢) "ك، ط": "وقالوا".
(٣) "أو كلّهم" ساقط من "ك، ط".
(٤) أخرجه الطيالسي (٢٢٣٦) والطبري (٢٢/ ١٣٧) والترمذي (٣٢٢٥) وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه". والبيهقي في البعث والنشور (٦١) وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٦٣): "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسمّ" (ز).