قالوا: فهذه الآثار يُسنِد٢ بعضُها بعضًا. فإنَّها٣ قد تعدَّدت طرقها، واختلفت مخارجها؛ وسياق الآية يشهد لها بالصحّة، فلا يُعدل عنها٤.
والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إيَّاها، فلنرجع إليه فنقول:
أمَّا الأشقياء فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء متزوّدين غضبَ الربّ سبحانه، ومعاداةَ كتبه ورسله وما بُعثِوا به، ومعاداةَ أوليائه والصدّ عن سبيله، ومحاربةَ من يدعو إلى دينه، ومقاتلةَ٥ الذين يأمرون بالقسط من النَّاسِ، وإقامةَ دعوةٍ غير دعوة اللَّه سبحانه التي بَعث بها رسلَه لتكون الدعوة له وحده. فقطع هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضدّ ما يحبّه٦ ويرضاه.
وأمَّا السائرون إليه، فظالمهم قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثار شهواته ولذَّاته على مراضي الربّ وأوامره، مع إيمانه باللَّه وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن نفسه مغلوبة معه، مأسور٧ مع حظِّه وهواه،
(١) انظر: ص (٤٠٨، ٤١١ - ٤١٣).
(٢) "ك، ط": "يشدّ".
(٣) "ف، ك، ط": "وإنَّها"، قراءة محتملة.
(٤) "ط": "فلا نعدل عنها".
(٥) "ك": "معاملة"، تحريف.
(٦) "ب، ك، ط": "يحبه اللَّه".
(٧) "ط": "مأسورة".
يعلم سوءَ حاله، ويعترف بتفريطه، ويعزم على الرجوع إلى اللَّه. فهذا حال المؤمن١ المسلم.
وأمَّا من زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسنًا، وهو غير معترفٍ ولا مقرّ ولا عازم على الرجوع إلى اللَّه والإنابة إليه أصلًا، فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحًا أبدًا، ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان، ونعوذ باللَّه من الخذلان.
وأمَّا الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر اللَّه، وعقد القلبِ على ترك مخالفته ومعاصيه، فهممُهم مصروفة إلى القيامِ بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة.
فأوَّل ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيامُ إلى الوضوءِ والصلاة كما أمره اللَّه. فإذا أدَّى فرضَ وقته٢ اشتغل بالتلاوة والأذكارِ إلى حين تطلع الشمس، فركع٣ الضحى، ثمَّ ذهب إلى ما أقامه اللَّه فيه من الأسباب.
فإذا حضر فرضُ الظهر بادر إلى التطهّر٤ والسعي إلى الصفِّ الأوَّل من المسجد، فأدَّى فريضته كما أُمِر مكمِّلًا لها٥ بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرَّبّ.