يعلم سوءَ حاله، ويعترف بتفريطه، ويعزم على الرجوع إلى اللَّه. فهذا حال المؤمن١ المسلم.
وأمَّا من زُيِّن له سوءُ عمله فرآه حسنًا، وهو غير معترفٍ ولا مقرّ ولا عازم على الرجوع إلى اللَّه والإنابة إليه أصلًا، فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحًا أبدًا، ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان، ونعوذ باللَّه من الخذلان.
وأمَّا الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر اللَّه، وعقد القلبِ على ترك مخالفته ومعاصيه، فهممُهم مصروفة إلى القيامِ بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة.
فأوَّل ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيامُ إلى الوضوءِ والصلاة كما أمره اللَّه. فإذا أدَّى فرضَ وقته٢ اشتغل بالتلاوة والأذكارِ إلى حين تطلع الشمس، فركع٣ الضحى، ثمَّ ذهب إلى ما أقامه اللَّه فيه من الأسباب.
فإذا حضر فرضُ الظهر بادر إلى التطهّر٤ والسعي إلى الصفِّ الأوَّل من المسجد، فأدَّى فريضته كما أُمِر مكمِّلًا لها٥ بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور بين يدي الرَّبّ.
(١) "المؤمن "ساقط من "ب، ك، ط".
(٢) "ف": "فرض اللَّه"، تحريف.
(٣) "ك، ط": "فيركع".
(٤) "ب، ك": "التطهير"، تحريف.
(٥) "ف": "أمر بكمالها"، تحريف.
فينصرف من الصلاة وقد أثَّرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارًا تبدو على صفحاته ولسانه وجوراحه. ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، وقلَّة التكالب١ والحرص على الدنيا وعاجلها. قد نهته صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، وحبَّبتْ إليه لقاء اللَّه، ونفَّرته من كلِّ قاطع يقطعه٢ عن اللَّه. فهو مغموم مهموم، كأنَّه في سجن، حتَّى تحضر الصلاة، فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرَّة عينه وحياة قلبه، فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة.
هذا، وهم في ذلك كلّه مراعون لحفظ السنن لا يُخِلّون منها بشيء ما أمكنهم. فيقصدون من الوضوءِ أكمله، ومن الوقت أوَّله، ومن الصفوف أوَّلها عن يمين الإمام أو خلف ظهره.
ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثًا، وقول: "اللَّهم أنتَ السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ"٣، وقول: "لا إلهَ إلا اللَّهُ وحده لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءِ قدير. اللّهم لا مانِعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجدُّ، لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، له النِّعْمَةُ وله الفضلُ وله الثَّناءُ الحسَن٤، لا إلهَ إلا اللَّهُ مخلصين له الدِّين ولو كَرِهَ الكافرونَ"٥.
(١) "ك": "التكاليف"، تحريف.
(٢) "ب": "يقطع".
(٣) أخرجه مسلم في المساجد (٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
(٤) "ف": "الحسن الجميل"، خلاف الأصل.
(٥) أخرجه مسلم في المساجد (٥٩٤) من حديث عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه =