ويشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائعَ التجّارِ وهو في رفقة المحرومين.
ومنها أنَّه عساه أن تنهض همّته يومًا ما١ إلى التشبّث والتعلّق بساقة القوم ولو من بعيد.
ومنها أنَّه لعلَّه أن يصدُقَ في الرغبة واللّجأ إلى مَن بيده الخيرُ كلُّه أن يُلْحِقَه بالقوم ويهيّئه لأعمالهم، فيصادف ساعةَ إجابةٍ لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه.
ومنها أنَّ هذا العلم هو من أشرف علوم العباد. ليس٢ بعد علم التوحيد أشرفُ منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة. فإذا رأى نفسَه تناسب هذا العلم، وتشتاق إليه، وتحبّه، وتأنس بأهله٣ فَلْيُبشِرْ٤ بالخيرِ، فقد أُهِّل له، فليقل لنفسه: يا نفس قد٥ حصل لكِ شطرُ السعادة فاحرصي على الشطر الآخر، فإنَّ السعادة في العلم٦ بهذا الشأن والعمل به، فقد قطعتِ نصف المسافة، فهلَّا تقطعين باقيها فتفوزين فوزًا عظيمًا!
ومنها أنَّ العلم بكل حالٍ خيرٌ من الجهل. فإذا كان اثنان أحدهما عالمٌ بهذا الشأن غيرُ موصوفٍ به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متّصف
(١) "ما" ساقطة من "ك، ط".
(٢) "ك، ط": "وليس".
(٣) "ط": "بأقلّه"، تحريف.
(٤) "ب": "فيبشر".
(٥) "ك، ط": "فقد".
(٦) "ب": "بالعلم".
به فهو خِلْوٌ من الأمرين، فلا ريبَ أنَّ العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتّصف به خيرًا منهما، فينبغي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، وينزَّل في مرتبته.
ومنها أنَّه إذا كان العلمُ بهذا الشأن همَّه ومطلوبَه، فلا بدَّ أن ينال منه بحسب استعداده، ولو لَمْظَةً١، ولو بارقةً، ولو أنَّه يحدِّث نفسَه بالنهضة إليه.
ومنها أنَّه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفِع به غيرُه بقصده أو بغير قصده، واللَّه لا يضيع مثقال ذرَّة، فعسى أن يُرحَم بذلك العامل.
وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر، فلا ينبغي أن تصغي إلى من يثبّطك٢ عنه، ويقول٣: إنَّه لا ينفع. بل احذره، واستعن باللَّه، ولا تعجز، ولكن لا تغترّ، وفرِّق بين العلم والحال، وإيَّاك أن تظنّ أنَّ بمجرد علم هذا الشأن قد صرتَ من أهله. هيهات! ما أظهر الفرق بين العالم٤ بوجوه الغنى وهو فقير، وبين الغني بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم، وبين الصحيح بالفعل!
فاسمع الآن وصفَ القومِ، وأحضِر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم
(١) كذا في الأصل و"ف، ك". وفي "ب": "لمعة" ولكن ذكر في الحاشية أنَّ في النسخة: "لمظة". وهي من لَمَظَ الماء: ذاقه بطرف لسانه. والُلماظة: مايبقى في الفم من طعام، وقد يستعار لبقية الشيء القليل. انظر: اللسان (لمظ) (٧/ ٤٦٢). وفي "ط": "لحظة".