به فهو خِلْوٌ من الأمرين، فلا ريبَ أنَّ العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتّصف به خيرًا منهما، فينبغي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، وينزَّل في مرتبته.
ومنها أنَّه إذا كان العلمُ بهذا الشأن همَّه ومطلوبَه، فلا بدَّ أن ينال منه بحسب استعداده، ولو لَمْظَةً١، ولو بارقةً، ولو أنَّه يحدِّث نفسَه بالنهضة إليه.
ومنها أنَّه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفِع به غيرُه بقصده أو بغير قصده، واللَّه لا يضيع مثقال ذرَّة، فعسى أن يُرحَم بذلك العامل.
وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر، فلا ينبغي أن تصغي إلى من يثبّطك٢ عنه، ويقول٣: إنَّه لا ينفع. بل احذره، واستعن باللَّه، ولا تعجز، ولكن لا تغترّ، وفرِّق بين العلم والحال، وإيَّاك أن تظنّ أنَّ بمجرد علم هذا الشأن قد صرتَ من أهله. هيهات! ما أظهر الفرق بين العالم٤ بوجوه الغنى وهو فقير، وبين الغني بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم، وبين الصحيح بالفعل!
فاسمع الآن وصفَ القومِ، وأحضِر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم
(١) كذا في الأصل و"ف، ك". وفي "ب": "لمعة" ولكن ذكر في الحاشية أنَّ في النسخة: "لمظة". وهي من لَمَظَ الماء: ذاقه بطرف لسانه. والُلماظة: مايبقى في الفم من طعام، وقد يستعار لبقية الشيء القليل. انظر: اللسان (لمظ) (٧/ ٤٦٢). وفي "ط": "لحظة".
(٢) "ب": "يثبط".
(٣) "ط": "تقول"، خطأ.
(٤) "ك، ط": "العلم".
الجليل. فإن وجدتَ من نفسك حركة وهمَّةً إلى التشبّه بهم فاحمد اللَّه، وادخل، فالطريق واضح، والباب مفتوح.
إذا١ أعجبتْك خصالُ امرئٍفكُنْه يكنْ منك٢ ما يُعجِبُكْ
فليسَ على الجودِ والمكرماتِإذا جئتَها حاجبٌ يحجُبُكْ٣
فنبأ القومِ عجيب، وحالُهم أعجَب٤، وأمرُهم أخفى٥ إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنَّه يطّلع من حالهم على ما يريه إيَّاه القدرُ المشترك.
وجملة أمرهم أنَّهم قوم قد امتلأت قلوبُهم من معرفة اللَّه، وعُمِرتْ٦ بمحبّته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبّة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ. قد أنساهم حبُّه ذكرَ غيره، وأوحشهم أنسُهم به ممَّن سواه. قد فَنُوا بحبّه عن حبّ مَن سواه، وبذكره عن ذكر من سواه٧، وبخوفه، ورجائه، والرغبة إليه، والرهبة منه،
(١) "ف": "وإذا"، سهو. فقد كتب في الأصل أولًا "وإذا" ثم ضرب على الواو. وكذا في "ك".
(٢) "ك": "مثل" تحريف. وفي "ط": "تكن مثل".
(٣) تمثل المؤلف بالبيتين في مدارج السالكين (٣/ ١٠) والفروسية (٤٠٢) أيضًا. وذكرهما الراغب في محاضراته (١/ ٣١٠) من إنشاد أبي العيناء. وهما مع ثالث في ديوان المعاني (٢٦٢).