طريق الهجرتين

الجليل. فإن وجدتَ من نفسك حركة وهمَّةً إلى التشبّه بهم فاحمد اللَّه، وادخل، فالطريق واضح، والباب مفتوح.

إذا١ أعجبتْك خصالُ امرئٍفكُنْه يكنْ منك٢ ما يُعجِبُكْ
فليسَ على الجودِ والمكرماتِإذا جئتَها حاجبٌ يحجُبُكْ٣

فنبأ القومِ عجيب، وحالُهم أعجَب٤، وأمرُهم أخفى٥ إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنَّه يطّلع من حالهم على ما يريه إيَّاه القدرُ المشترك.

وجملة أمرهم أنَّهم قوم قد امتلأت قلوبُهم من معرفة اللَّه، وعُمِرتْ٦ بمحبّته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبّة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ. قد أنساهم حبُّه ذكرَ غيره، وأوحشهم أنسُهم به ممَّن سواه. قد فَنُوا بحبّه عن حبّ مَن سواه، وبذكره عن ذكر من سواه٧، وبخوفه، ورجائه، والرغبة إليه، والرهبة منه،

  1. (١) "ف": "وإذا"، سهو. فقد كتب في الأصل أولًا "وإذا" ثم ضرب على الواو. وكذا في "ك".
  2. (٢) "ك": "مثل" تحريف. وفي "ط": "تكن مثل".
  3. (٣) تمثل المؤلف بالبيتين في مدارج السالكين (٣/ ١٠) والفروسية (٤٠٢) أيضًا. وذكرهما الراغب في محاضراته (١/ ٣١٠) من إنشاد أبي العيناء. وهما مع ثالث في ديوان المعاني (٢٦٢).
  4. (٤) "وحالهم أخفى" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ك، ط": "خفي".
  6. (٦) "ط": "غمرت" بالمعجمة.
  7. (٧) "وبذكره" إلى هنا ساقط من "ب".
449

والتوكل عليه، والإنابة إليه، والسكون١ إليه، والتذلّل والانكسار بين يديه؛ عن تعلّق ذلك منهم بغيره.

فإذا وضع أحدُهم جنبَه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همُّه عليه٢، متذكِّرًا صفاته العلى وأسماءَه الحسنى، مشاهدًا له في أسمائه وصفاته، قد تجلَّت على قلبه أنوارها، فانصبغ قلبُه بمعرفته ومحبّته، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبُه قد أوى إلى مولاه وحبيبه، فآواه إليه، وأسجدَه بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلًا منكسرًا من كلِّ جهة من جهاته. فيا لها سجدةً ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاءِ!

وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربِّه؟ فقال٣: "إي واللَّه، سجدةً٤ لا يرفع رأسه منها إلى القيامة! "٥.

فشتّان بين قلبٍ يبيت عند ربِّه، قد قطع في سفره إليه بيداءَ الأكوان وخرق حُجُبَ الطبيعة، ولم يقف عند رسم، ولا سكن إلى علَم، حتَّى دخلَ على ربِّه في داره، فشاهد٦ عزَّ سلطانه، وعظمة جلاله، وعلوَّ

  1. (١) "ف": "الشكوى"، تحريف.
  2. (٢) "ك": "إليه".
  3. (٣) "ط": "قال"
  4. (٤) "ك، ط": "بسجدة".
  5. (٥) "ب، ك، ط": "يوم القيامة". وقد نقل المؤلف هذا القول في مدارج السالكين (١/ ٥٠٩). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب ص (٦٦٢). وهو من كلام سهل بن عبد اللَّه التستري كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٨٧ و٢٣/ ١٣٨).
  6. (٦) "ف": "مشاهدًا"، تحريف.
450

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي