طريق الهجرتين

بوَّاب فيستأْذَن، ولا حاجب فيُدخَل عليه به١، ولا وزير فيؤتى، ولا ظهير فيستعان به، ولا وليّ من دونه فيتشفّع٢ به إليه، ولا نائب عنه فيعرِّفَه حوائجَ عباده، ولا معين له فيعاونه على قضائها. بل قد٣ أحاط سبحانه بها علمًا، ووَسِعها قدرةً ورحمةً، فلا تزيده كثرةُ الحاجات إلا جودًا وكرمًا. فلا٤ يشغله منها شأن عن شأن، ولا تغلّطه كثرةُ المسائل، ولا يتبرّم بإلحاح الملحّين.

لو اجتمع أوَّلُ خلقه وآخرُهم، وإنسُهم وجنّهم، وقاموا في صعيدٍ واحدٍ، ثمَّ سألوه، فأعطى كلًّا منهم مسألتَه، ما نقص ذلك ممَّا عنده ذرَّةً واحدةً إلا كما ينقص المِخْيَطُ البحرَ إذا غُمِسَ فيه. ولو أنَّ أوَّلهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا٥. ولو أنَّ أوَّلهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منهم ما نقصَ ذلك من ملكه شيئًا٦. ذلك بأنَّه الغنيّ الجواد الماجد، فعطاؤه كلام، وعذابه كلام٧. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٨٢﴾ [يس/ ٨٢].

ويَشهده كما أخبر عنه أيضًا الصادق المصدوق حيث يقول: "إنَّ اللَّه لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ. يخفضُ القسطَ، ويرفعُه. يُرْفَعُ إليهِ عملُ

  1. (١) "به" ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) "ب": "فيستشفع". "ف، ط": "فيشفع".
  3. (٣) "بل قد" ساقط من "ك، ط". و"قد" ساقط من "ب".
  4. (٤) "ط": "ولا يشغله".
  5. (٥) بعد هذا إلى قوله: "من ملكه شيئًا" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) يشير إلى حديث أبي ذر الذي أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة (٢٥٧٧).
  7. (٧) "ط": "من كلام وعذابه من كلام". وصحح في القطرية.
452

الليلِ قبل النَّهارِ١، وعملُ النَّهارِ قبلَ الليل٢. حِجَابُه النُّور، لَوْ كَشَفَه لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِهِ ما أدركه بصرُه من خلقِهِ"٣.

وبالجملة فيَشهده في كلامه، فقد تجلَّى ﷾ لعباده في كلامه، وتراءى لهم فيه، وتعرَّف إليهم فيه. فبعدًا وتبًّا للجاحدين والظالمين ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم/ ١٠] لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

فإذا صارت صفاتُ ربِّه٤ وأسماؤه مشهدًا لقلبه أنْسَتْه ذكرَ غيره، وشغلته عن حبِّ سواه٥، وجذبت٦ دواعي قلبه إلى حبِّه تعالى بكلِّ جزءٍ من أجزاءِ قلبه وروحه وجسمه. فحينئذٍ يكون الربُّ تعالى سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبه يسمع. وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي. كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله ﷺ٧.

ومن غلُظ حجابُه، وكثُف طبعُه، وصلُب عوده؛ فهو عن فهم هذا بمعزل، بل لعلَّه أن يفهمَ منه ما لا يليق به تعالى من حلول أو اتحاد، أو يفهم منه غيرَ المراد منه، فيحرّف معناه ولفظه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا

  1. (١) "ب، ك، ط": "عمل النهار".
  2. (٢) "ب، ك، ط": "عمل الليل".
  3. (٣) تقدّم تخريجه في ص (١٥٨).
  4. (٤) "ب": "صفاته".
  5. (٥) "ك، ط": "من سواه".
  6. (٦) "ط": "حديث"، تصحيف.
  7. (٧) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁.
453

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي