طريق الهجرتين

والحب المقلق، فحبيبُه آخرُ خطراته عند منامه، وأوّلُها عند استيقاظه، كما قال بعض المحبّين لمحبوبته١:

أآخرُ شيءٍ أنتِ في كلِّ هَجْعةٍوأوَّلُ شيءٍ أنتِ عندَ هُبوبي؟٢

فقد أفصح هذا المحبُّ عن حقيقة المحبّة وشروطها. فإذا كان هذا في محبّة مخلوقٍ، فما الظنّ بمحبّة٣ المحبوب الأعلى؟ فأُفِّ لِقلبٍ لا يصلح لهذا ولا يصدّق به، لقد صُرِفَ عنه خيرُ الدنيا والآخرة!

فصل

فإذا استيقظ أحدهم، وقد بدر إلى قلبه هذا الشأن، فأوَّلُ ما يجري على لسانه ذكرُ محبوبه، والتوجّه إليه، واستعطافه، والتملق بين يديه، والاستعانة به أن يخلّي بينه وبين نفسه، وأن لا يكِلَه إليها، فيكلَه إلى ضَيْعةٍ٤ وعجز وذنب وخطيئة، بل يكلأَه كلاءَة الوليد الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.

فأوَّل ما يبدأ به قول٥: "الحمد للَّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشورُ"٦، متدبِّرَا لمعناها من ذكرِ نعمةِ اللَّه عليه بأن أحياه بعد نومه

  1. (١) "ب، ك، ط": "لمحبوبه".
  2. (٢) ذكره المؤلف في روضة المحبّين (٣٨٧). وهو من بيتين في حماسة أبي تمام (٢/ ٧٥). وقد نسبا في بلاغات النساء (١١٩) وذيل الأمالي (٧٠) إلى امرأة. وأنشده الراغب في محاضراته (٢/ ٥٥) لعليّ بن الجهم.
  3. (٣) "ك، ط": "في محبة".
  4. (٤) "ك، ط": "ضعة"، تحريف.
  5. (٥) "قول" ساقط من "ب، ك، ط".
  6. (٦) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣١٢) من حديث حذيفة ﵁.
456

الذي هو أخو الموت، وأعاده إلى حاله سويًّا سليمًا محفوظًا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات والمهلكات التي هو غرض وهدف لسهامها، كلُّها تقصده بالهلاك أو الأذى، والتي١ من بعضها أرواح٢ شياطين الإنس والجنّ، فإنَّها تلتقي بروحه إذا نام، فتقصد إهلاكه وأذاه؛ فلولا أنَّ اللَّه سبحانه يدفع عنه لما سلم.

هذا، وكم يلقى٣ الروح في تلك الغَيبة من أنواع الأذى والمخاوف والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأرواح. فمن الناس من يشعر بذلك لرقة روحه ولطافتها، ويجد آثار ذلك فيها إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحي الذي ربما غلب حتَّى سرى إلى البدن. ومن النَّاس من تكون روحه أغلظ وأكثف٤ وأقسى من أن تشعر بذلك، فهي مثخَنةٌ بالجراح، مزمَنة بالأمراض، ولكن لموتها٥ لا تحسّ بذلك.

هذا، وكم من مريدٍ لإهلاك جسمه من الهوامّ وغيرها قد حفظه منه، فهي في أجحارها محبوسة عنه، لو خُلِّيتْ وطبعَها لأهلكته. فمن ذا الذي كلأَه وحرَسه، وقد غاب عنه حسُّه وعلمُه وسمعُه وبصرُه؛ فلو جاءَه البلاءُ من أي مكان جاءَ لم يشعر به. ولهذا ذكَّر سبحانه عبادَه هذه النعمة، واعتدّها٦ عليهم من جملة نعمه، فقال: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ

  1. (١) كذا في الأصل و"ط" مع واو العطف، وفي "ف" وغيرها دونها.
  2. (٢) "أرواح" ساقط من "ط".
  3. (٣) "كم" ساقط من "ط". وفي "ب": " تلقى". وفي "ط": "تلتقي".
  4. (٤) "ب": "أكثف وأغلظ".
  5. (٥) "ط": "لنومها".
  6. (٦) "ك": "أعدّها"، "ط": "عدِّها".
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي