فإذا تصوَّر العبدُ ذلك فقال: "للَّه" كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك. ثمَّ يُفكِّر١ في أنَّ الذي أعاده بعد هذه الإماتة حيًّا سليمًا قادرُ٢ على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيًّا كما كان، ولهذا يقول بعدها: "وإليه النشور".
ثمَّ يقول: "لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريك له، له الملك، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءِ قدير. الحمد للَّه، وسبحان اللَّه٣، واللَّه أكبر، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه"٤. ثمَّ يدعو ويتضرّع.
ثمَّ يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحِب لما فيه٥.
ثمَّ يصلّي ما كتب اللَّه له صلاةَ محبٍّ ناصحٍ لمحبوبه متذللٍ منكسرٍ بين يديه، لا صلاةَ مُدِلٍّ بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيرَه، واستزاره وطرد غيرَه، وأهَّله وحرَم غيره، فهو يزداد بذلك محبَّةً إلى محبته. يرى٦ أنَّ قرَّة عينه وحياةَ قلبه وجنَّة روحه
(١) "ك، ط": "تفكر".
(٢) "ط": "قادرًا"، خطأ.
(٣) "ك، ط": "سبحان اللَّه والحمد للَّه". وكذلك ورد فيها بعده "ولا إله إلا اللَّه" ولم ترد هذه الزيادة في صحيح البخاري إلّا في رواية كريمة، وكذا عند الإسماعيلي والنسائي والترمذي وابن ماجه. قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٠). وانظر: الوابل الصيب (٢٥٤).
(٤) أخرجه البخاري في التهجد (١١٥٤) عن عبادة بن الصامت ﵁.
(٥) ما بعد "حاضر" ساقط من "ب".
(٦) "ط": "ويرى".
ونعيمَه ولذَّته وسرورَه في تلك الصلاة، فهو يتمنَّى طولَ ليله، ويهتمّ بطلوع الفجر، كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك. فهو كما قيل:
فهو يتملَّق فيها مولاه تملَّقَ المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا لكلِّ آية حظّها من العبوديّة. فتجذب قلبَه وروحَه إليه آياتُ المحبّة والوداد، والآياتُ التي فيها الأسماءُ والصفات، والآياتُ التي تعرّفَ٣ بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم. وتطيِّبُ له السيرَ آياتُ الرجاء والرحمة وسعة البرّ والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيّب له السيرَ ويهوّنه عليه٤. وتُقلِقُه آياتُ الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه، العادلين به غيرَه، المائلين إلى سواه؛ فتجمعه عليه وتمنعه٥ أن يشرد قلبه عنه. فتأمَّلْ هذه النكتةَ٦، وتفقَّهْ فيها، واللَّه المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلا به٧.
وبالجملة فيشاهد المتكلّمَ سبحانه، وقد تجلَّى في كلامه، ويعطي كلَّ آية حظَّها من عبودية قلبه الخاصَّة الزائدة على مجرَّد تلاوتها
(١) "ب": "طوّله".
(٢) البيت لأبي العلاء المعرّي في سقط الزند (٥٦).
(٣) "ب": "يتعرف".
(٤) "عليه" ساقط من "ط".
(٥) "ك، ط": "فيجمعه عليه ويمنعه".
(٦) "ب، ط": "هذه الثلاثة"، وهو تحريف طريف. وكذا كان في "ك"، ثم عدّل فيها.