فهو يتملَّق فيها مولاه تملَّقَ المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا لكلِّ آية حظّها من العبوديّة. فتجذب قلبَه وروحَه إليه آياتُ المحبّة والوداد، والآياتُ التي فيها الأسماءُ والصفات، والآياتُ التي تعرّفَ٣ بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم. وتطيِّبُ له السيرَ آياتُ الرجاء والرحمة وسعة البرّ والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيّب له السيرَ ويهوّنه عليه٤. وتُقلِقُه آياتُ الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه، العادلين به غيرَه، المائلين إلى سواه؛ فتجمعه عليه وتمنعه٥ أن يشرد قلبه عنه. فتأمَّلْ هذه النكتةَ٦، وتفقَّهْ فيها، واللَّه المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلا به٧.
وبالجملة فيشاهد المتكلّمَ سبحانه، وقد تجلَّى في كلامه، ويعطي كلَّ آية حظَّها من عبودية قلبه الخاصَّة الزائدة على مجرَّد تلاوتها
(١) "ب": "طوّله".
(٢) البيت لأبي العلاء المعرّي في سقط الزند (٥٦).
(٣) "ب": "يتعرف".
(٤) "عليه" ساقط من "ط".
(٥) "ك، ط": "فيجمعه عليه ويمنعه".
(٦) "ب، ط": "هذه الثلاثة"، وهو تحريف طريف. وكذا كان في "ك"، ثم عدّل فيها.
(٧) "ب، ك، ط": "إلّا باللَّه".
والتصديق بأنَّها كلام اللَّه، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها. بلَ١ ثَمَّ شأن آخر لو فطن له العبد لعلِمَ أنَّه كان قبلُ يلعب، كما قيل:
وكنتُ أرى أن قد تناهَى بيَ الهوىإلى غايةٍ ما بعدَها ليَ مذهبُ
فواأسفاه! وواحسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر، والقلب محجوب ما شمّ لهذا رائحة! خرج٣ من الدنيا كما دخل إليها٤، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا، وموته كمدًا، ومعاده حسرةً وأسفًا!
اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك.
فصل
فإذا صلَّى ما كتب اللَّه٥ جلس مطرقًا بين يدي ربِّه تعالى هيبةً له وإجلالًا، واستغفره استغفارَ من قد تيقن أنَّه هالك إن لم يغفر له
(١) "بل" ساقط من "ب، ك، ط".
(٢) "ب": "علمت يقينًا أنني كنت ألعب". وقد ذكر المصنف البيتين في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣) ومدارج السالكين (١/ ٥٩٢). وأنشدهما مع بيت ثالث أبو بكر محمد بن داود الظاهري في كتاب الزهرة (٢٧٤) "لبعض أهل هذا العصر".