طريق الهجرتين

والتصديق بأنَّها كلام اللَّه، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها. بلَ١ ثَمَّ شأن آخر لو فطن له العبد لعلِمَ أنَّه كان قبلُ يلعب، كما قيل:

وكنتُ أرى أن قد تناهَى بيَ الهوىإلى غايةٍ ما بعدَها ليَ مذهبُ
فلَمَّا تلاقَينا وعايَنْتُ حسنَهاتيفَّنتُ أنِّي إنَّما كنتُ ألعبُ٢

فواأسفاه! وواحسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر، والقلب محجوب ما شمّ لهذا رائحة! خرج٣ من الدنيا كما دخل إليها٤، وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا، وموته كمدًا، ومعاده حسرةً وأسفًا!

اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك.

فصل

فإذا صلَّى ما كتب اللَّه٥ جلس مطرقًا بين يدي ربِّه تعالى هيبةً له وإجلالًا، واستغفره استغفارَ من قد تيقن أنَّه هالك إن لم يغفر له

  1. (١) "بل" ساقط من "ب، ك، ط".
  2. (٢) "ب": "علمت يقينًا أنني كنت ألعب". وقد ذكر المصنف البيتين في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٦٣) ومدارج السالكين (١/ ٥٩٢). وأنشدهما مع بيت ثالث أبو بكر محمد بن داود الظاهري في كتاب الزهرة (٢٧٤) "لبعض أهل هذا العصر".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "وخرج".
  4. (٤) "ب": "فيها".
  5. (٥) زاد في "ب": "له".
460

ويرحمه. فإذا قضى من الاستغفار وطرًا، وكان عليه بعدُ ليلٌ اضطجع على شقّه الأيمن مُجِمًّا نفسَه، مريحًا لها، مقوِّيًا لها١ على أداء وظيفة الفرض، فيستقبله نشيطًا بجده وهمته كأنِّه لم يزل نائمًا طول ليلته لم يعمل شيئًا. فهو يريد أن يستدرك ما فاته في صلاة الفجر، فيصلِّي السنة، ويبتهل بينها وبين الفريضة، فإنَّ لذلك الوقت شأنًا٢ يعرفه من عرفه. ويكثر فيه من قول "يا حيُّ يا قيوم لا إله إلا أنت"، فلهذا الذكر في هذا الموطن تأثيرٌ عجيب٣.

ثمَّ ينهض إلى صلاة الصبح قاصدًا الصفَّ الأوَّل عن يمين الإمام أو خلف قفاه. فإن فاته ذلك قصدَ القربَ منه مهما أمكن، فإنَّ للقربِ من الإمام تأثيرًا٤ في سرّ الصلاة. ولهذا القرب تأثيرٌ في صلاة الفجر خاصَّةً يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ٧٨﴾ [الإسراء/ ٧٨]. قيل: يشهده اللَّه ﷿ وملائكته. وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر، وذلك لأنَّها في٥ أوَّل ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهدها ملائكة الليل والنهار. واحتجَّ لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "فَضْلُ صلاة الجميع على صلاة الواحد

  1. (١) "ب": "متقويًّا بها".
  2. (٢) في الأصل: "شأن" بالرفع. والمثبت من "ف" وغيرها.
  3. (٣) انظر: ما نقله في ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مدارج السالكين (١/ ٥٢٩ و٣/ ٢٤٦).
  4. (٤) هنا أيضًا في الأصل: "تأثير" بالرفع. والمثبت من "ف" وغيرها.
  5. (٥) "ط": "هي".
461

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي