طريق الهجرتين

فإنْ كانت هذه اللفظة محفوظةً عن النبي ﷺ، فهي صريحة في المعنى كاشفة للمراد. وإن لم تكن محفوظة، وكانت من شكِّ الراوي هل قال هذا أو هذا، فقد قدَّمنا أنَّه لا منافاة بين اللفظين، وأنَّ حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد١ يدلُّ على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأنَّ تعليقه بالطلوع لكونه أوَّل الوقت الذي يكون فيه الصعود. كما رواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن الأغرّ أبي مسلم قال: شهِدَ لي٢ على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنَّهما شهدا على النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّهَ ﷿ يُمْهِلُ حَتَّى إذا ذهبَ٣ ثلث الليل هَبَط إلى هذهِ السَّماءِ، ثمَّ أمرَ بأبواب السَّماء ففتحت، ثمَّ قال: هل من سائلٍ فأعطيَه؟ هل من داعٍ فأجيبَه؟ هل من مستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل من مستغيث أغيثه؟٤ هل من مضطرٍّ أكشفُ٥ عنه؟ فلا يزالُ ذلك٦ مكانه حتى يطلع الفجر في كلِّ ليلة من الدنيا، ثمَّ يصعد إلى السماء". قال الدارقطني٧: فزاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادةً حسنةً.

والمقصود ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في

  1. (١) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو خطأ فقد مرّ آنفًا أنّ صوابه: زيادة بن محمد.
  2. (٢) كذا في الأصل و"ف". فإنْ لم يكن خطأ فالمقصود أنَّ إسحاق قال: شهد لي أبو مسلم، وفي "ب، ك، ط": "شهدتُ".
  3. (٣) "ط": "كان".
  4. (٤) "ف": "فأغيثه"، خلاف الأصل. وكذا في "ب، ط".
  5. (٥) "ب": "فأكشف".
  6. (٦) "ب": "كذلك".
  7. (٧) النزول (٥٥)، ولفظة: "ثمَّ يصعد إلى السماء" غريبة غير محفوظة لم يروها الثقات من أصحاب أبي إسحاق، ولا أحد من أصحاب الأغر أبي مسلم. راجع صحيح مسلم (٧٥٨)، والنزول للدارقطني (٥٢ - ٦٤). (ز).
465

أوَّل وقتها١.

فصل

فإذا فرغَ من صلاة الصبح أقبل بكلّيّته على ذكر اللَّه والتوجّه إليه بالأذكارِ التي شُرِعَت أوَّل النَّهارِ، فيجعلها وِردًا له لا يُخِلُّ به٢ أبدًا، ثمَّ يزيد عليها ما شاءَ٣ من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتّى تطلع الشمس حسنًا٤. فإذا طلعت فإن شاء ركع ركعتي الضّحى وزاد ما شاء، وإن شاء قام من غير ركوع.

ثمَّ يذهب متضرّعًا إلى ربِّه، سائلًا له أن يكون ضامنًا عليه، متصرِّفًا في مرضاته بقيّة يومه. فلا يتقلب إلا في شيء يظهر له فيه مرضاةُ ربه، وإن كان من الأفعال العاديّة الطبيعيّة قَلَبه عبادةً بالنية، وقصَدَ الاستعانة به على مرضاة الربّ. وبالجملة فيقف عند أوَّل الداعي إلى فعله٥، فيفتّش ويستخرج منه منفذًا ومسلكًا يسلك به إلى ربّه. فينقلب في حقّه عبادة وقربة. وشتَّان كم٦ بين هذا وبين من إذا عرض له أمر من أوامر الربّ لا بدّ له من فعلِه، وفتَّش فيه على مراد لنفسه وغرض لطبعه، ففعله٧ لأجل ذلك، وجعل الأمر طريقًا له ومنفذًا لمقصده. فسبحان من فاوت

  1. (١) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
  2. (٢) "به" يعني: بالورد. وفي "ط": "بها".
  3. (٣) وقع "ما شاء" في "ب" بعد "الفاضلة".
  4. (٤) "ف، ب": "حسناء". والكلمة ساقطة من "ط".
  5. (٥) "إلى فعله" ساقط من "ب".
  6. (٦) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو أسلوب غريب.
  7. (٧) "ط": "ففعل".
466

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي