فإذا فرغَ من صلاة الصبح أقبل بكلّيّته على ذكر اللَّه والتوجّه إليه بالأذكارِ التي شُرِعَت أوَّل النَّهارِ، فيجعلها وِردًا له لا يُخِلُّ به٢ أبدًا، ثمَّ يزيد عليها ما شاءَ٣ من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتّى تطلع الشمس حسنًا٤. فإذا طلعت فإن شاء ركع ركعتي الضّحى وزاد ما شاء، وإن شاء قام من غير ركوع.
ثمَّ يذهب متضرّعًا إلى ربِّه، سائلًا له أن يكون ضامنًا عليه، متصرِّفًا في مرضاته بقيّة يومه. فلا يتقلب إلا في شيء يظهر له فيه مرضاةُ ربه، وإن كان من الأفعال العاديّة الطبيعيّة قَلَبه عبادةً بالنية، وقصَدَ الاستعانة به على مرضاة الربّ. وبالجملة فيقف عند أوَّل الداعي إلى فعله٥، فيفتّش ويستخرج منه منفذًا ومسلكًا يسلك به إلى ربّه. فينقلب في حقّه عبادة وقربة. وشتَّان كم٦ بين هذا وبين من إذا عرض له أمر من أوامر الربّ لا بدّ له من فعلِه، وفتَّش فيه على مراد لنفسه وغرض لطبعه، ففعله٧ لأجل ذلك، وجعل الأمر طريقًا له ومنفذًا لمقصده. فسبحان من فاوت
(١) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٢) "به" يعني: بالورد. وفي "ط": "بها".
(٣) وقع "ما شاء" في "ب" بعد "الفاضلة".
(٤) "ف، ب": "حسناء". والكلمة ساقطة من "ط".
(٥) "إلى فعله" ساقط من "ب".
(٦) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو أسلوب غريب.
(٧) "ط": "ففعل".
بين النفوس إلى هذا الحد والغاية! فهذا عباداته عادات، والأوَّل عاداته عبادات!
فإذا جاءَ فرضُ الظهر بادرَ إليه كذلك١ مكمِّلًا له، ناصحًا فيه لمعبوده كنصح المحبّ الصادق المحبّة لمحبوبه الذي قد طلب منه أن يعمل له شيئًا ما، فهو لا يُبقي مجهودًا، بل يبذل مقدوره كلَّه في تحسينه وتزيينه٢ وإصلاحه وإكماله، ليقع موقعًا من محبوبه، فينال به رضاه عنه وقربه منه. أفلا يستحيي العبد من ربِّه ومولاه ومعبوده أن لا يكون في عمله هكذا، وهو يرى المحبّين في أشغال محبوبيهم من الخلقِ كيف يجتهدون في إيقاعها على أحسن وجه وأكمله، بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبّه من الخلق، فلا أقلَّ من أن يكون مع ربِّه بهذه المنزلة. ومن أنصف نفسه وعرف أعمالَه استحيا من اللَّه أن يواجهه بعمله أو يرضاه لربه، وهو يعلم من نفسه أنَّه لو عمل لمحبوب له من النَّاس لبذل فيه نُصْحَه، ولم يَدَعْ من حسنه شيئًا إلا فعَلَه.
وبالجملةِ، فهذا حال هذا العبد مع ربِّه في جميع أعماله، فهو يعلم أنَّه لا يوفي هذا المقام حقَّه، فهو أبدًا يستغفر اللَّه عقيب كلّ عمل. وكان النبيّ ﷺ إذا سلَّم من الصلاة استغفر ثلاثًا٣، وقال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١٨﴾[الذاريات/ ١٨]. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى السحر، ثمَّ
(١) "كذلك" ساقط من "ك، ط".
(٢) "ب": "ترتيبه"، تصحيف، فإنه ضبط في الأصل بالنون.
(٣) "ط": "استغفر اللَّه. . . "، وقد أخرجه مسلم في كتاب المساجد (٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.