طريق الهجرتين

بين النفوس إلى هذا الحد والغاية! فهذا عباداته عادات، والأوَّل عاداته عبادات!

فإذا جاءَ فرضُ الظهر بادرَ إليه كذلك١ مكمِّلًا له، ناصحًا فيه لمعبوده كنصح المحبّ الصادق المحبّة لمحبوبه الذي قد طلب منه أن يعمل له شيئًا ما، فهو لا يُبقي مجهودًا، بل يبذل مقدوره كلَّه في تحسينه وتزيينه٢ وإصلاحه وإكماله، ليقع موقعًا من محبوبه، فينال به رضاه عنه وقربه منه. أفلا يستحيي العبد من ربِّه ومولاه ومعبوده أن لا يكون في عمله هكذا، وهو يرى المحبّين في أشغال محبوبيهم من الخلقِ كيف يجتهدون في إيقاعها على أحسن وجه وأكمله، بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبّه من الخلق، فلا أقلَّ من أن يكون مع ربِّه بهذه المنزلة. ومن أنصف نفسه وعرف أعمالَه استحيا من اللَّه أن يواجهه بعمله أو يرضاه لربه، وهو يعلم من نفسه أنَّه لو عمل لمحبوب له من النَّاس لبذل فيه نُصْحَه، ولم يَدَعْ من حسنه شيئًا إلا فعَلَه.

وبالجملةِ، فهذا حال هذا العبد مع ربِّه في جميع أعماله، فهو يعلم أنَّه لا يوفي هذا المقام حقَّه، فهو أبدًا يستغفر اللَّه عقيب كلّ عمل. وكان النبيّ ﷺ إذا سلَّم من الصلاة استغفر ثلاثًا٣، وقال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١٨﴾ [الذاريات/ ١٨]. قال الحسن: مدّوا الصلاة إلى السحر، ثمَّ

  1. (١) "كذلك" ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) "ب": "ترتيبه"، تصحيف، فإنه ضبط في الأصل بالنون.
  3. (٣) "ط": "استغفر اللَّه. . . "، وقد أخرجه مسلم في كتاب المساجد (٥٩١) من حديث ثوبان ﵁.
467

جلسوا يستغفرون ربّهم١، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٩٩﴾ [البقرة/ ١٩٩] فأمر سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة، وشرع للمتوضئ أن يقول بعد وضوئه: "اللّهُمّ اجْعَلْنِي من التَّوّابينَ واجْعَلْنِي من المتطهرين"٢. فهذه توبة بعد الوضوء، وتوبة بعد الحجِّ، وتوبة بعد الصلاة، وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب هذا المقام مضطرٌّ إلى التوبة والاستغفار كما تبيّن، فهو لا يزال مستغفرًا تائبًا، وكلَّما كثرت طاعاتُه كثرت توبتُه واستغفارُه.

فصل

وجماع الأمر في ذلك إنَّما هو بتكميل عبوديّة اللَّه ﷿ في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلّها في محبوبات اللَّه، فكمالُ٣ عبوديّة العبد موافقتُه لربِّه في محبَّه٤ ما أحبَّه، وبذلُ الجهدِ في فعله؛ وموافقتُه في كراهة ما كرهه، وبذلُ الجهد في تركه. وهذا إنَّما يكون للنفس المطمئنّة، لا للأمَّارة ولا للّوَّامة. فهذا كمال من جهة الإرادة

  1. (١) تفسير الطبري (٢٦/ ١٩٨).
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٥٥) من حديث عمر بن الخطاب وقال: "حديث عمر قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث. وروى عبد اللَّه بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، عن عمر؛ وعن ربيعة عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عمر. وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبيّ ﷺ في هذا الباب كثير شيء" (ز).
  3. (٣) "ك، ط": "وكمال". وقد سقط ما بعد "عبودية" إلى هنا في "ف" لنزول البصر إلى السطر الثاني.
  4. (٤) "ك، ط": "محبّته".
468

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي