وأمَّا من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرتُه منفتحةً في معرفة الأسماء والصفات والأفعال، له شهود خاصّ فيها مطابقٌ لما جاء به الرسول لا مخالفٌ له، فإنّ بحسب مخالفته له في ذلك يقع الانحراف. ويكون مع ذلك قائمًا بأحكام العبوديّة الخاصَّة التي تقتضيها كلُّ صفة بخصوصها.
وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم، والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم. وهو١ طريق سهل قريب مُوصِل، طريق٢ آمن، أكثر السالكين في غفلة عنه. ولكن يستدعي رسوخًا في هذا٣ العلم، ومعرفةً تامَّةً به، وإقدامًا على ردِّ الباطل المخالف له ولو قاله من قاله. وليس عند أكثر النَّاس سوى رسومٍ تلقَّوها عن قومٍ معظَّمين عندهم، فهم٤ لإحسان ظنِّهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم، ولم يتجاوزوها إلى غيرها٥، فصارت حجابًا لهم وأيَّ حجاب!
فمن فتح اللَّه بصيرةَ٦ قلبه وإيمانه حتَّى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي والفطرة والعقل، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ولا يُخاف عليه إلا مِن ضعفِ همته. فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همَّة عالية فذاك السابق حقًّا،
(١) "وهو" ساقط من "ك، ط".
(٢) "طريق" ساقط من "ب".
(٣) "هذا" ساقط من "ب، ك، ط".
(٤) "ب، ك، ط": "ثمّ"، تحريف.
(٥) "إلى غيرها" ساقط من "ك، ط".
(٦) "ك": "على بصيرة". "ط": "عليه بصيرة".
واحدُ النَّاس في زمانه١، لا يُلحَق شأْوُه، ولا يشقُّ غبارُه. فشتَّان ما بين من يتلقَّى أحواله ووارداته عن الأسماء والصفات، وبين من يتلقَّاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرّد ذوقه ووجده، إذا استحسن شيئًا قال: هذا هو الحقّ.
فالسيرُ إلى اللَّه٢ من طريق الأسماء والصفات شأنه عجب، وفتحُه عجب٣. صاحبه قد سبق السُّعاة٤، وهو مستلقٍ على فراشه، غيرُ تعب ولا مكدود، ولا مشتَّتٍ عن وطنه، ولا مشرَّدٍ عن سكنه. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾[النمل/ ٨٨]. وليس العجب من سائر في ليله ونهاره، وهو في السُّرى٥ لم يبرح من مكانه. وإنَّما العجب من ساكنٍ لا يُرى عليه أثرُ السفر، وقد قطع المراحل والمفاوز! فسائرٌ قد ركبتْه نفسُه، فهو حاملها سائرٌ بها، ملبوك بها٦، يعاقبها وتعاقبه، ويجرّها وتهرب منه، ويخطو بها خطوةً إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه؛ فهو معها في جهد وهي معه كذلك. وسائرٌ قد ركب نفسَه، وملك عِنانَها، فهو يسوقها كيف شاءَ وأين شاءَ، لا تلتوي عليه، ولا تنجذب، ولا تهرب منه، بل هي معه كالأسير الضعيف في يد مالكه
(١) "ط": "بزمانه".
(٢) "إلى اللَّه" ساقط من "ب".
(٣) "ب": "شأنه عجيب وفتحه غريب".
(٤) "ب": "سيق للسعادة"، "ط": "سيقت له السعادة"، تحريف وتغيير. وانظر نحوه في مدارج السالكين (٢/ ٥٨٥).
(٥) "ب": "السير". "ط": "الثرى"، تحريف.
(٦) "بها" ساقط من "ب، ك، ط". وفي "ب": "مكبول"، تحريف. ويقصد المؤلف أن هذا السائر قد نشب بنفسه وتورّط بها، فيجذبها وتجذبه.