طريق الهجرتين

شيءٍ خلقه، وأتقن كلَّ شيءٍ، فهو١ أحكمُ الحاكمين وأحسن الخالقين، له في كلِّ شيءِ حكمةٌ بالغة، وفي كلِّ مصنوعٍ صُنْعٌ متقَن. والرجلُ إذا عابَ صنعة رجل آخر وذمّها سرى ذاك٢ إلى الصانع، لأنَّه كذلك صنعَها، وعن حكمته أظهرَها، إذ كانت الصنعة مجبولةً٣ لم تصنع نفسها، ولا صنع لها في خلقها. فالعارفُ لا يعيب إلا ما عابه اللَّه، ولا يذمّ إلا ما ذمَّه.

وإذا سبقَ إلى قلبه ولسانه عيبُ ما لم يعِبْه اللَّه وذمُّ ما لم يذمّه٤، تاب إلى اللَّه منه كما يتوب صاحبُ الذنبِ من ذنبه، فإنَّه يستحيي من اللَّه أن يكون في داره وهو يعيب آلات تلك الدار وما فيها. فهو يرى نفسه بمنزلة رجلٍ دخل إلى دار ملِك من الملوك، ورأى ما فيها من الآلات والبناءِ والترتيب، فأقبل يعيب منها بعضها ويذمّه ويقول: لو كان كذا بدل كذا لكان خيرًا، ولو كان هذا في مكان هذا لكان أولى. وشاهدَ الملِك يولِّي ويعزل، ويعطي ويحرِم٥، فجعل يقول: لو وُلِّيَ هذا مكان فلان كان خيرًا، ولو عُزِلَ هذا المتولِّي لكان أولى، ولو عوفي٦ هذا، ولو أُغني هذا! فكيف يكون مقت الملك لهذا المعترض وإخراجه له من قربه؟ وكذلك لو أضافه صاحبٌ له فقدَّم إليه طعامًا فجعل

  1. (١) "ك، ط": "وهو".
  2. (٢) وردت هنا في "ك، ط" زيادة: "إلى صانعها، فمن عاب صنعة الربّ سبحانه بلا إذنه سرى ذلك".
  3. (٣) "ب": "مجبورة".
  4. (٤) "ك، ط": "يذمه اللَّه".
  5. (٥) "ك، ط": "يحرم ويعطي".
  6. (٦) "ب": "عافى".
473

يعيب صنعته١ ويذمّه، أكان ذلك يهون على صاحب الطعام؟ قالت عائشة٢: "ما عابَ رسولُ اللَّه ﷺ طعامًا قطّ، إن اشتهى شيئًا أكله وإلا تركه".

والمقصود أنَّ من شأن القوم ترك الاهتمام بالتدبير والاختيار، بل همّهم كلّه في إقامة حقّه عليهم. وأمّا التدبير العام والخاصّ فقد سلَّموه لوليّ الأمر كلّه ومالكه الفعَّال لما يريد.

ولعلَّك تقول: ومن٣ الذي ينازع اللَّهَ في تدبيره؟ فانظر إلى نفسك -في عجزها وضعفها وجهلها- كيف هي عُرْضةٌ٤ للمنازعة، لكن٥ منازعةَ جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت منه العجائب! فسبحان من أذلَّه بعجزه وضعفه وجهله، وأراه العبر في نفسه لو كان ذا بصر! كيف هو عاجز القدرة، جبان الإرادة٦، عبد مربوب مدين٧ مملوك، ليس له من الأمرِ شيء، وهو مع ذلك ينازع اللَّهَ ربوبيّتَه وحكمتَه وتدبيرَه، لا يرضى بما رضي اللَّه به، ولا يسكن عند مجاري أقداره. بل هو عبد

  1. (١) "ط": "صفته"، تحريف.
  2. (٢) كذا في الأصل وغيره. والحديث معروف عن أبي هريرة ﵁ كما ذكر المؤلف في الوابل الصيب (٣٣٩). أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة (٣٥٦٣)، ومسلم في الأشربة (٢٠٦٤).
  3. (٣) "ب، ك": "ومن ذا". "ط": "من ذا".
  4. (٤) أي: تتعرَّض وتتصدَّى للمنازعة. وفي "ط": "عرضت" بالتاء المفتوحة، تحريف.
  5. (٥) "لكن" ساقط من "ط".
  6. (٦) في "ف" وغيرها: "جبَّار الإرادة"، ولعلَّ قراءتنا هي المناسبة للسياق.
  7. (٧) من دانه: أخضعه وساسه، وحاسبه. وفي "ب، ك، ط": "مدبر"، تحريف.
474

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي