طريق الهجرتين

يعيب صنعته١ ويذمّه، أكان ذلك يهون على صاحب الطعام؟ قالت عائشة٢: "ما عابَ رسولُ اللَّه ﷺ طعامًا قطّ، إن اشتهى شيئًا أكله وإلا تركه".

والمقصود أنَّ من شأن القوم ترك الاهتمام بالتدبير والاختيار، بل همّهم كلّه في إقامة حقّه عليهم. وأمّا التدبير العام والخاصّ فقد سلَّموه لوليّ الأمر كلّه ومالكه الفعَّال لما يريد.

ولعلَّك تقول: ومن٣ الذي ينازع اللَّهَ في تدبيره؟ فانظر إلى نفسك -في عجزها وضعفها وجهلها- كيف هي عُرْضةٌ٤ للمنازعة، لكن٥ منازعةَ جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت منه العجائب! فسبحان من أذلَّه بعجزه وضعفه وجهله، وأراه العبر في نفسه لو كان ذا بصر! كيف هو عاجز القدرة، جبان الإرادة٦، عبد مربوب مدين٧ مملوك، ليس له من الأمرِ شيء، وهو مع ذلك ينازع اللَّهَ ربوبيّتَه وحكمتَه وتدبيرَه، لا يرضى بما رضي اللَّه به، ولا يسكن عند مجاري أقداره. بل هو عبد

  1. (١) "ط": "صفته"، تحريف.
  2. (٢) كذا في الأصل وغيره. والحديث معروف عن أبي هريرة ﵁ كما ذكر المؤلف في الوابل الصيب (٣٣٩). أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة (٣٥٦٣)، ومسلم في الأشربة (٢٠٦٤).
  3. (٣) "ب، ك": "ومن ذا". "ط": "من ذا".
  4. (٤) أي: تتعرَّض وتتصدَّى للمنازعة. وفي "ط": "عرضت" بالتاء المفتوحة، تحريف.
  5. (٥) "لكن" ساقط من "ط".
  6. (٦) في "ف" وغيرها: "جبَّار الإرادة"، ولعلَّ قراءتنا هي المناسبة للسياق.
  7. (٧) من دانه: أخضعه وساسه، وحاسبه. وفي "ب، ك، ط": "مدبر"، تحريف.
474

ضعيف مسكين يتعاطى الربوبيّة، فقير مسكين١ في مجموع حالاته يرى٢ نفسه غنيًّا، جاهل ظالم ويرى نفسه عارفًا محسنًا، فما أجهله بنفسه وبربِّه! وما أتركه لحقِّه، وأشده إضاعهً٣ لحظه!

ولو أُحْضِرَ رشدَه لرأى ناصيته ونواصي الخلائق بيد اللَّه يخفضها ويرفعها كيف شاء٤، وقلوبهم بيده سبحانه وفي قبضته يقلِّبها كيف يشاءُ، يُزيغ٥ منها من يشاءُ ويقيم من يشاءُ٦، ولكان هذا غالبًا على شهود قلبه، فيغيب به عن مشيئاته وإراداته٧ واختياره، ولعرف أنَّ التدبير والركون إلى حول العبد وقوته من الجهل بنفسه وبربّه؛ فينفي العلمُ باللَّه الجهلَ عن قلبه، فتمّحي منه الإرادات والمشيئات والتدبيرات، ويفوِّضها إلى مالك القلوب والنواصي، فيصير بذلك عبدًا لربّه تقلّبه يد القدرة، ويصير ابن وقته لا ينتظر وقتًا آخر يدبر نفسه فيه؛ لأنَّ ذلك الوقت بيد موقته، فيرى نفسه بمنزلة الميت في قبره ينتظر ما يُفعل به، مستسلمًا٨ للَّه، منقطعَ المشيئة والاختيار.

هذا فيما٩ يجري على أحدهم من فعل اللَّه وحكمه وقضائه الكوني.

  1. (١) "ب": "ذليل".
  2. (٢) "ط": "ويرى".
  3. (٣) "ط": "وأشدّ إضاعته".
  4. (٤) "ب، ك، ط": "يشاء".
  5. (٥) "ف": "يرفع"، تحريف.
  6. (٦) "ويقيم من يشاء" ساقط من "ف".
  7. (٧) "ك، ط": "إرادته".
  8. (٨) "ط": "مستسلم".
  9. (٩) "ط": "ما".
475

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي