طريق الهجرتين

بدون الإيمان والإسلام. فإذا كانت الإرادة معلولةً١ وهي من منازل العوامّ لزم أن تكون المحبة كذلك.

فإن قيل: المحبة التي لا علّة فيها هي٢ تجرُّد المحبّ عن الإرادة، وفناؤه بإرادة محبوبه عن إرادته٣ قيل: هذا هو حقيقة الإرادة أن ينفي٤ مرادَه مرادُ محبوبه، فلو لم يكن مريدًا لمراد محبوبه لم يكن موافقًا له في الإرادة، والمحبّة هي موافقة المحبوب في إرادته، فعاد الأمرُ إلى ما أشرنا إليه أنَّ المعلول من ذلك ما تعلق بحظّ المريد دون حقّ٥ محبوبه. فإذا صارت إرادتُه موافِقةً لإرادة محبوبه لم تكن تلك الإرادةُ من منازل العوامّ ولا معلولةً، بل هذه أشرفُ منازل الخواصّ وغاية مطالبهم. وليس وراءها إلا التجرّد عن كلِّ إرادة، والفناء بشهوده عن إرادة ما يريد. وهذا هو الذي يشير إليه السالكون إلى منازل الفناءِ ويجعلونه غايةَ الغايات. وهذا عند الكُمَّل٦ نقص وتغبير٧ في وجه المحبة، وهضم لجانب العبودية، وفناءٌ بحظّ المحبّ من مشاهدته٨ جمالَ محبوبه٩ وفنائه فيه عن حقّ المحبوب ومراده. فهو الوقوف مع

  1. (١) في الأصلِ: "من معلولة"، ولعله سهو. وكذا في "ف".
  2. (٢) "هي" ساقط من "ب".
  3. (٣) "ف": "إراداته" خلاف الأصل.
  4. (٤) "ك، ط": "يبقى"، والأصل غير منقوط.
  5. (٥) "حق" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) "ك، ط": "أهل الكمال".
  7. (٧) "ك، ط": "تغيير"، تصحيف.
  8. (٨) "ب، ك": "مشاهدة".
  9. (٩) "ف": "كمال محبوبه" خلاف الأصل.
481

نفس الحظّ، والهروب عن حقّ المحبوب ومراده.

وهل مثل هذا إلا كمثل رجلين ادَّعيا محبةَ ملِك، فحضرا بين يديه، فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أُريدُ أن لا أريد شيئًا، بل أفنى عن إرادتي، وأكون أنا المراد، وأنت تريد بي ما تشاء. وقال الآخر: بل١ أريد أن أنفق أنفاسي وذرّاتي٢ في محابّك ومرضاتك منفِّذًا لأوامرك مشمِّرًا في طاعتك، أتوجّه حيث توجهني وأفعل ما تأمرني، هذا الذي أريده٣. فقال٤ للآخر: وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا، فإنِّي سأبعثكما في أشغالي ومهماتي. فأمَّا أحدهما فقال: لاحظ لي سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك. وقال الآخر: لا أُريد إلا مشاهدتَك، والنظر إليك، والفناءَ فيك. فهل يكونان في نظره سواءً؟ وهل تستوي منزلتهما عنده؟

ولو أنعموا النظر لعلموا أنَّ صاحبَ الفناء هو طالبُ الحظِّ الواقفُ معه، وأنّ الآخرَ وإن لم ينسلخ من الحظّ، ولكنّ حظَّه مرادُ المحبوب منه، لا مرادُه هو من المحبوب؛ وبين الأمرين من الفرق كما بين الأرض والسماءِ٥. فالعجب ممن يفضّل صاحبَ الحظّ الذي يريده من محبوبه على من صارَ حظّه مراد محبوبه منه! بل الفناء الكامل أن يفنى بإرادته عن إرادة ما سواه٦، وبحبّه عن حبّ ما سواه، وبرجائه عن رجاءِ ما سواه،

  1. (١) "بل": ساقط من "ط".
  2. (٢) "ب": "إرادتي".
  3. (٣) "ب": "أريد".
  4. (٤) "ب": "فقال الملك".
  5. (٥) "ب": "بين السماء والأرض".
  6. (٦) "ب، ك، ط": "من سواه".
482

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي