طريق الهجرتين

معبوده كان محجوبًا١، ومن شهد المعبودَ وغابَ به عن شهود عبوديته وقيامه بما أمره به كان ناقص٢ العبودية ضعيف الشهود، وهل الكمال إلا شهود المعبود مع شهود عبادته؟ فإنَّها عين حقّه ومراده ومحبوبه من عبده. فهل يكون شهود العبد لحقّ محبوبه ومراده منه وأنَّه قائم به ممتثل له نقصًا، وتكون غيبته عن ذلك وإعراضه عنه وفناؤه عن شهوده كمالًا؟ وهل هذا إلا قلب للحقائق؟ فغاية صاحب هذا الحال والمقام أن يكون معذورًا بضيق قلبه عن شهود هذا وهذا، إمَّا لضعف المحل، أو لغلبة الوارد وعجزه عن احتمال شيء آخر معه. فأمَّا أن يكون هذا هو الكمال المطلوب والآخر نقص فكلّا. وأين مقامٍ من يشهد٣ عبوديته، ومنَّة اللَّه عليه فيها، وتوفيقَه لها، وجعلَه محلًّا وآلةً لها٤ -وهو ناظر مع ذلك إلى معبوده بقلبه، شاهدًا له، فانيًا٥ عن شهود غيره في عبوديته- من مقام من لا يتّسع لهذا وهذا؟

وتأمَّل حال أكمل الخلق وأفضلهم٦ وأشدّهم حبًّا للَّه ﷺ، كيف كان في عبادته جامعًا بين الشهودين، حتّى كان لا يغيب عن أحوال المأمومين، فضلًا عن شهود عبادته، فكان٧ يراعي أحوالهم وهو في ذلك المقام بين يدي ربِّه تعالى؛ فالكُمَّل٨ من أمّته على منهاجه وطريقته

  1. (١) "ط": "محبوبًا"، تحريف شنيع.
  2. (٢) في الأصل: "ناقصًا"، سبق قلم.
  3. (٣) "ف": "شهد"، والقراءة المثبتة أرجح.
  4. (٤) "لها" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ب": "شاهدٌ له فانٍ".
  6. (٦) "ب": "أفضل الخلق وأكملهم".
  7. (٧) "ط": "وكان".
  8. (٨) "ك": "فالكامل". "ط": "فالكملة".
484

في ذلك ﷺ١. فالواجب التمييز بين المراتب وإعطاءُ كلّ ذي حقٍّ حقَّه، فقد جعل اللَّه لكلِّ شيءٍ قدرًا.

وإن أردتم بالتفرّق شتات القلب في شعاب الحظوظ وأودية الهوى، فهذه الإرادة لا تستلزم شيئًا من ذلك، بل هي جمعيّة٢ القلب على المحبوب وعلى محابّه ومراداته. ومثل هذا التفرّق هو عين البقاءِ، ومحض العبودية، ونفس الكمال. وما عداه فمحض حظّ العبد، لاحقّ محبوبه.

الوجه السادس: أنَّ قوله: "الإرادةُ٣ رجوعٌ إلى النفس، وإنَّ إرادةَ العبد عينُ حظّه" كلام فيه إجمال وتفصيل. فيقال: ما تريدون بقولكم: إنَّ الإرادة رجوع إلى النفس؟ أتريدون٤ أنَّها رجوع عن إرادة الربّ وإرادة محابّه إلى إرادة النفس وحظوظها، أم تريدون أنَّها رجوع إلى إرادة النفس لربّها ولمرضاته؟ فإن أردتم الأوَّل عُلِمَ أنَّ هذه الإرادة معلولة ناقصة فاسدة، ولكن ليست هذه الإرادة التي نتكلم فيها، وإن أردتم المعنى الثاني فهو عين الكمال، وإنَّما النقصان خلافه.

الوجه السابع: أنَّ قولكم: "إنَّ هذه الإرادة عين حظّ العبد"، قلنا: نعم، وهي أكبر حظّ له وأجلّه وأعظمه. وهل للعبد حظّ أشرف من أن يكون اللَّه وحده إلهه ومعبودَه ومحبوبَه ومراده؟ فهذا هو الحظّ الأوفر والسعادة العظمى. ولكن لم قلتم إنَّ اشتغال العبد بهذا الحظّ

  1. (١) في "ط" قدَّم الصلاة والسلام على "في ذلك".
  2. (٢) "ف": "جعبه". كذا كتب ناسخها لعدم تمكنه من قراءة الكلمة.
  3. (٣) "ك، ط": "إنَّ الإرادة".
  4. (٤) "أتريدون" ساقط من "ب".
485

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي