ثمَّ يقال: لو كان فوقه شيء أكمل منه، لكان اشتغالُ العبد به وطلبُه إيَّاه اشتغالًا بحظّه أيضًا، فيكون ناقصًا، فأين الكمال؟ فإن قلتم: في تركِه حظوظَه كلَّها، قيل لكم: وتركُه هذا الحظّ أيضًا هو من حظوظه، فإنَّه لا يبقى معطَّلًا فارغًا خِلْوًا٢ من الإرادة أصلًا، بل لا بدّ له من إرادة ومراد، وكل إرادة عندكم٣ رجوع إلى الحظّ، فأيّ شيء اشتغل٤ به وبإرادته كان وقوفًا مع حظّه٥، فياللَّه العجب متى يكون عبدًا محضًا خالصًا لربه؟
يوضِّح هذا٦الوجه الثامن: أنَّ الحيّ لا ينفكّ عن الإرادة ما دام شاعرًا بنفسه، وإنَّما ينفكّ عنها إذا غاب عنه شعوره بعارضٍ من العوارض، فالإرادة من لوازم الحياة، فدعوى أنَّ الكمال في التجرّد عنها دعوى باطلة مستحيلة طبعًا وحسًّا. بل الكمال في التجرّد عن الإرادة التي تُزاحِم مرادَ المحبوب، لا عن الإرادة التي توافق مرادَه.
الوجه التاسع: قوله "الجمع والوجود فيما يراد بالعبد، لا فيما يريد. . . " إلى آخره، فيقال: هذا على نوعين:
(١) كتب ناسخ "ف": ". . . العبد به وطلبه إيَّاه نقص" لنزول بصره إلى السطر التالي من الأصل.
(٢) "خلوًا" ساقط من "ط".
(٣) "ب، ك، ط": "لكم".
(٤) سقط "شيء" من "ك". وفي "ط": "فأي اشتغال به".
(٥) "ب، ك، ط": "عن حظِّه".
(٦) "ف": "يوضحه"، خلاف الأصل.
أحدهما: ما يراد بالعبد١ من المقدور الذي يجري عليه بغير اختياره، كالفقر والغنى، والصحّة والمرض، والحياة والموت، وغير ذلك. فهذا لا ريب أنَّ الكمال٢ فناءُ العبد فيه عن إرادته، ووقوفُه مع ما يراد به، لا يكون له إرادةٌ تُزاحِمُ إرادةَ اللَّه منه٣؛ كحال الثلاثة الذين قال أحدهم: أنا أحبّ الموت للقاءِ اللَّه، وقال الآخر: أحبّ البقاء لطاعته وعبادته. فقال الثالث: غلطتما، ولكن أنا أحبّ من ذلك ما يحبّ: فإن كان يحبّ إماتتي أحببتُ الموت، وإن كان يحبّ حياتي أحببتُ الحياة، فأنا أحبّ ما يحبّه من الحياة والموت. فهذا أكمل منهما، وأصحّ حالًا. فهذا٤ فيما يراد بالعبد.
والنوع الثاني: ما يراد من العبد من الأوامر والقربات. فهذا ليس الكمال إلا في إرادته، وإن فرَّقَتْه، فهو مجموع في تفرقته، متفرّق في جمعيّته. وهذا٥ حال الكُمَّل٦ من النَّاس: متفرّق الإرادة في الأمر، مجتمع على الأمر؛ فهو مجموع عليه، متفرق فيه. ولا يكون فعل المرادات المختلفة بإرادة واحدة بالعين. وإنَّما غايتها أن تكون هنا إرادتان: أحدهما٧: إرادة واحدة للمراد المحبوب.
(١) "ب": "من العبد"، غلط.
(٢) "الكمال" ساقط من "ب".
(٣) "ب": "إرادة تزاحمه إرادة منه".
(٤) "فهذا" ساقط من "ك، ط".
(٥) "ب": "فهذا".
(٦) "ط": "الكملة".
(٧) كذا في الأصل و"ف، ك". والمقصود: نوعان: أحدهما. . . والثاني. وفي "ب، ط": "إحداهما".