طريق الهجرتين

لقواطعه عن مراد محبوبه، وفي الثانية كالميت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف يشاء.

وبهذا التفصيل ينكشف سرّ هذه المسألة، ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظّ النفس. واللَّه الموفق للصواب.

491

فصل

المثال الثاني: الزهد. قال أبو العباس ﵀١: "هو للعوامّ أيضًا؛ لأنَّه حبسُ النفس عن الملذوذات، وإمساكها عن فضول الشهوات، ومخالفة دواعي الهوى، وترك ما لا يعني٢ من الأشياء. وهذا نقص في طريق الخاصَّة، لأنَّه تعظيم للدنيا، واحتباس عن انتقادها، وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلّق الباطن بها. والمبالاةُ بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك، وتضييع الوقت في منازعة نفسك وشهودِ حِسك٣ وبقائك معك. ألا ترى إلى من أعطاه اللَّه الدنيا بحذافيرها كيف قال٤: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٩﴾ [ص/ ٣٩]؟ وذلك حيث عافى٥ باطنه من شهودها، وظاهره من التعلّق بها، فالزهد صرفُ الرغبة إليه، وتعلّق الهمَّة به، والاشتغال به عن كلِّ شيء يشغل عنه، ليتولَّى هو حسمَ٦ هذه الأسباب عنك. كما قيل: إنَّ بعض المريدين سأل بعض

  1. (١) هو ابن العريف صاحب محاسن المجالس. انظر ما سبق في ص (٤٧٤).
  2. (٢) في الأصل: "يغني" بالغين المعجمة وكذا في "ف". ولعله سهو، والصواب بالمهملة، كما في "ب، ك"، وفي محاسن المجالس.
  3. (٣) "ك": "جسك". "ط": "جنسك"، تصحيف.
  4. (٤) كذا وقع في الأصل وغيره، وهو غير مستقيم، فإنَّ قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ ليس من كلام سليمان ﵇. والصواب كما ورد في كتاب المحاسن: "ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية وإلى قوله لمن أعطاه الدنيا بحذافيرها. . . ".
  5. (٥) في الأصل: "غافله" بالغين المعجمة، ولا معنى له. وكذا في "ف". وفي "ب": "عافى له". والمثبت من كتاب المحاسن و"ط".
  6. (٦) كتب ناسخ "ف": "مسم"، وقال في الحاشية: "لعله فسخ"، والصواب ما أثبتنا من الأصل وغيره.
492

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي