طريق الهجرتين

لوازم الزهدِ لم يكن فيها نقص ولا علَّة، فإنَّها من لوازم الطبيعة وأحكام الجبلة، وهي كالجوع والعطش والألم والتعب. فحبسُ النفس عن إجابة دواعيها إيثارًا للَّه ومرضاته عليها١ لا يكون نقصًا ولا مستلزمًا لنقص.

[مسألة شريفة]٢

وقد اختلف أرباب السلوك وأهل الطريق٣ هنا في هذه المسألة، وهي أيّهما أفضل: مَن له داعية وشهوة، وهو يحبسها٤ للَّه، ولا يطيعها حبًّا له وحياءً منه وخوفًا. أو من لا داعية له تنازعه، بل نفسه خالية من تلك الدواعي والشهوة، قد اطمأنَّت إلى ربِّها واشتغلت به عن غيره، وامتلأت بحبه وإرادته، فليس فيها موضع لإرادة غيره ولا حبّه؟

فرجَّحت طائفة الأولَ، وقالت: هذا يدلُّ على قوَّة تعلّقه وشدَّة محبّته، فهو يُعاصي دواعي الطبع والشهوة، ويقهرها سلطانُ٥ محبّته وإرادته وخوفه من اللَّه. وهذا يدلّ على تمكّنه من نفسه، وتمكّن حاله مع اللَّه٦، وغلبة داعي الحق عنده على داعي الطبع والنفس.

قالوا: وأيضًا فله مزيد في حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور داعي الفعل عنده، ومزيد مجاهدة عدوّه الباطن ونفسه وهواه، كما يكون له مزيد مجاهدة عدوّه الظاهر.

  1. (١) "فحبس النفس. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
  2. (٢) هذا العنوان من حاشية "ب".
  3. (٣) "وأهل الطريق" ساقط من "ط"، ومستدرك في حاشية "ك" بخط مختلف.
  4. (٤) في "ط": "يحبسهما. . . يطيعهما" بضمير التثنية.
  5. (٥) "ط": "بسلطان".
  6. (٦) "ب": "مع حاله"، خطأ.
494

قالوا: والذوق والوجد يشهد١ بمزيده٢ من الحبّ والأنس والسرور والفرح بربِّه عند إيثاره علي دواعي الهوى والنفس، والمطمئنُّ الذي ليس فيه هذا الداعي٣ ليس له مزيد من هذه الجهة. وإن كان مزيده من جهة أخرى، فهي مشتركة بينهما، ويختصّ هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة.

قالوا: وأيضًا فهذا مبتلًى بهذه الدواعي والإرادات، وذلك معافًى منها. وقد جرت سنَّة اللَّهِ في المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم، فمن ازداد إيمانُه زيد في بلائه، كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يبتلى المرءُ على حسب دينه، فإنْ كان في دينه صلابة شُدِّدَ عليه البلاء، وإنْ كان في دينه رقَّة خفِّف عنه البلاءُ"٤ والمراد بالدين هنا: الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاءِ، فإنَّ المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاءِ.

قالوا: فالبلاءُ بمخالفة دواعي النفس والطبع من أشدّ البلاءِ، فإنَّه لا يصبر عليه إلا الصدِّيقون. وأمَّا البلاءُ الذي يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها، فالصبر عليه لا يتوقّف على الإيمان، بل يصبر عليه البرّ والفاجر، ولا سيّما إذا علم أنَّه لا معوّل له

  1. (١) "ب": "يشهدان"، وما في الأصل وغيره صواب في العربية.
  2. (٢) "ك، ط": "لمزيده".
  3. (٣) "ليس فيه هذا الداعي" ساقط من "ب".
  4. (٤) أخرجه الطيالسي (٢١٥)، وأحمد (١٤٨١)، وابن حبان (٢٩٢١)، والحاكم (١/ ٩٩) (١٢٠، ١٢١)، والترمذي (٢٣٩٨) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٤٠٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، والحديث صححه ابن حبان والحاكم. (ز).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي