قالوا: والذوق والوجد يشهد١ بمزيده٢ من الحبّ والأنس والسرور والفرح بربِّه عند إيثاره علي دواعي الهوى والنفس، والمطمئنُّ الذي ليس فيه هذا الداعي٣ ليس له مزيد من هذه الجهة. وإن كان مزيده من جهة أخرى، فهي مشتركة بينهما، ويختصّ هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة.
قالوا: وأيضًا فهذا مبتلًى بهذه الدواعي والإرادات، وذلك معافًى منها. وقد جرت سنَّة اللَّهِ في المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم، فمن ازداد إيمانُه زيد في بلائه، كما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يبتلى المرءُ على حسب دينه، فإنْ كان في دينه صلابة شُدِّدَ عليه البلاء، وإنْ كان في دينه رقَّة خفِّف عنه البلاءُ"٤ والمراد بالدين هنا: الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاءِ، فإنَّ المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاءِ.
قالوا: فالبلاءُ بمخالفة دواعي النفس والطبع من أشدّ البلاءِ، فإنَّه لا يصبر عليه إلا الصدِّيقون. وأمَّا البلاءُ الذي يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها، فالصبر عليه لا يتوقّف على الإيمان، بل يصبر عليه البرّ والفاجر، ولا سيّما إذا علم أنَّه لا معوّل له
(١) "ب": "يشهدان"، وما في الأصل وغيره صواب في العربية.
(٢) "ك، ط": "لمزيده".
(٣) "ليس فيه هذا الداعي" ساقط من "ب".
(٤) أخرجه الطيالسي (٢١٥)، وأحمد (١٤٨١)، وابن حبان (٢٩٢١)، والحاكم (١/ ٩٩) (١٢٠، ١٢١)، والترمذي (٢٣٩٨) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٤٠٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، والحديث صححه ابن حبان والحاكم. (ز).
إلا الصبر، فإنَّه إن لم يصبر اختيارًا صبر اضطرارًا.
ولهذا كان بين ابتلاءِ يوسف الصدّيق ﷺ لما١ فعل به إخوتُه من الأذى، والإلقاءِ في الجُبِّ، وبيعه بيع العبيد، والتفريق بينه وبين أبيه؛ وابتلائه بمراودة المرأة له٢ وهو شابّ عزب غريب بمنزلة العبد لها، وهي الداعية له٣ إلى ذلك = فرقٌ عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتبَ٤ البلاءِ٥. فإنَّ الشباب داعٍ إلى الشهوة، والشاب قد يستحيي بين٦ أهله ومعارفه من قضاءِ وطره، فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزَبًا كان أشدَّ لشهوته، وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشدّ، وإذا كانت جميلةً كان أعظم، فإن كانت ذات منصب كان أقوى في الشهوة، فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ٧ من الداخل كان أقوى أيضًا للطلب، فإن كان الرجل مملوكها وهي الحاكمة٨ عليه الآمرة النَّاهية له٩ كان أبلغ في الداعي،
(١) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "بما".
(٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(٣) "له" ساقط من "ك، ط".
(٤) "ب": "نوائب"، تحريف.
(٥) صرح المؤلف في مدارج السالكين (٢/ ١٨٧) بأنه سمع ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم ذكر الدواعي الآتية. وقد فصّلها في كتابه الداء والدواء (٣١٩ - ٣٢٢) في ١٣ وجهًا.