طريق الهجرتين

قالوا: وأيضًا فإنَّ حقيقة المحبّة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه. قالوا: وكيف١ يصحّ الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب؟

قالوا: وليس العجب من قلب خالٍ عن الشهواتِ والإرادات، قد ماتت دواعي طبعه وشهوته، إذا عكفَ على محبوبه ومعبوده، واطمأنَّ إليه، واجتمعت همّتُه عليه٢. وإنَّما العجب من قلبٍ قد ابتُليَ بما ابتُليَ٣ به من الهوى والشهوة ودواعي الطبيعة، مع قوَّة سلطانها وغلبتها، وضعفه، وكثرة الجيوش التي تُغير على قلبه كلَّ وقتٍ، إذا آثر ربَّه ومرضاتَه على هواه وشهوته ودواعي طبعه. فهو هاربٌ إلى ربِّه من بين تلك الجيوش، وعاكفٌ عليه في تلك الزعازع والأهوية التي تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة، يتحمَّل منها لأجل محبوبه ما لا تتحمَّله٤ الجبال الرَّاسيات!

قالوا: وأيضًا فنهيُ النفس عن الهوى عبوديّة خاصَّة لها تأثير خاصّ، وإنَّما يحصل إذا كان ثَمَّ ما ينهى عنه النفس.

قالوا: وأيضًا فالهوى عدوُّ الإنسان، فإذا قهر عدوَّه وصارت تحت قبضته وسلطانه كان أقوى وأكمل ممَّن لا عدوّ له يقهره.

قالوا: ولهذا كان حالُ النبيّ ﷺ في قهره قرينَه حتَّى انقادَ وأسلم له٥

  1. (١) "ب": "فكيف".
  2. (٢) "عليه" ساقط من "ك، ط".
  3. (٣) "ب": "قد امتلأ بما امتلأ"، تحريف.
  4. (٤) "ب": "تحمله".
  5. (٥) "ب": "انقاد له وأسلم". ويشير المؤلف إلى ما أخرجه مسلم (٢٨١٤، ٢٨١٥) =
498

فلم يكن يأمره إلا بخيرٍ أكملَ من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفرّ١ منه، وكان إذا سلكَ فجًّا سلك فجًّا٢ غير فجِّه٣.

وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفرّ منه، ومع هذا قد تفلَّت على النبيّ ﷺ وتعرَّض له وهو في الصلاة، وأراد أن يقطع عليه صلاته٤، ومعلومٌ أنَّ حال الرسول أكمل وأقوى؟ والجوابُ ما ذكرناه أنَّ شيطان عمر كان يفرّ٥ منه، فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه. وأمَّا الشيطان الذي تعرَّض للنبيّ ﷺ، فقد أخذه وأسره وجعله في قبضته كالأسير. وأين مَن يهرب منه عدوُّه فلا يظفر به إلى مَن يظفر بعدوّه، فيجعله في أسره وتحت قبضته٦؟

فهذا ونحوه ممَّا احتجَّ به أرباب هذا القول.

وأحتجَّ أرباب القول الثاني -وهم الذين رجَّحوا من لا منازعة في

  1. = من حديث ابن مسعود ثمَّ عائشة ﵄. (ز).
  2. (١) "ف، ك": "نفَر"، تصحيف.
  3. (٢) "فجًّا" ساقط من "ط".
  4. (٣) كما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النَّبي ﷺ (٦٣٨٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٦).
  5. (٤) "ط": "الصلاة". والحديث في الصحيحين. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة (٤٦١) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٤١) عن أبي هريرة ﵁.
  6. (٥) "ف": "نفر"، تصحيف.
  7. (٦) "ب": "تحت قهره وقبضته". "ك، ط": "تحت يده وقبضته".
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي