طريق الهجرتين

فلم يكن يأمره إلا بخيرٍ أكملَ من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفرّ١ منه، وكان إذا سلكَ فجًّا سلك فجًّا٢ غير فجِّه٣.

وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفرّ منه، ومع هذا قد تفلَّت على النبيّ ﷺ وتعرَّض له وهو في الصلاة، وأراد أن يقطع عليه صلاته٤، ومعلومٌ أنَّ حال الرسول أكمل وأقوى؟ والجوابُ ما ذكرناه أنَّ شيطان عمر كان يفرّ٥ منه، فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه. وأمَّا الشيطان الذي تعرَّض للنبيّ ﷺ، فقد أخذه وأسره وجعله في قبضته كالأسير. وأين مَن يهرب منه عدوُّه فلا يظفر به إلى مَن يظفر بعدوّه، فيجعله في أسره وتحت قبضته٦؟

فهذا ونحوه ممَّا احتجَّ به أرباب هذا القول.

وأحتجَّ أرباب القول الثاني -وهم الذين رجَّحوا من لا منازعة في

  1. = من حديث ابن مسعود ثمَّ عائشة ﵄. (ز).
  2. (١) "ف، ك": "نفَر"، تصحيف.
  3. (٢) "فجًّا" ساقط من "ط".
  4. (٣) كما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النَّبي ﷺ (٦٣٨٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٦).
  5. (٤) "ط": "الصلاة". والحديث في الصحيحين. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة (٤٦١) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٤١) عن أبي هريرة ﵁.
  6. (٥) "ف": "نفر"، تصحيف.
  7. (٦) "ب": "تحت قهره وقبضته". "ك، ط": "تحت يده وقبضته".
499

طباعه، ولا هوى له يغالبه- بأن قالوا: كيف تستوي النفسُ المطمئنّة إلى ربِّها، العاكفةُ على حُبِّهِ، التي لا منازعةَ فيها أصلًا ولا داعيةَ تدعوها إلى الإعراض عنه؛ والنفسُ المشغولةُ بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها؟

قالوا: وأيضًا ففي الزمن الذي يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحبُ النفس المطمئنّة قد قطع مراحل من سيره، وفاز بقربٍ فات صاحبَ المحاربة والمنازعة١.

قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين في طريق، فطلع على أحدهما قاطعٌ اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكّن من سيره؛ والآخر سائرٌ لم يعرض له قاطع، بل هو على جادّة سيره، فإنَّ هذا يقطع من المسافة أكثرَ ممَّا٢ يقطع الأوَّل، ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه.

قالوا: وأيضًا فإنَّ للقلب قوَّةً يسير بها، فإذا صرفَ تلك القوَّة في دفعِ العوارضِ والدواعي القاطعَة له عن السير اشتغلَ قلبُه بدفعها عن السيرِ في زمن المدافعة.

قالوا: ولأنَّ المقصودَ بالقصد الأوَّل إنَّما هو السيرُ إلى اللَّهِ، والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره، والاشتغال٣ بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة.

قالوا: وأيضًا فالعوارضُ المانعة للقلب من سيره هي من باب المرض، واجتماعُ القلب على اللَّه وطمأنينتُه به وسكونُه إليه بلا

  1. (١) "ب": "المنازعة والمحاربة".
  2. (٢) في الأصل: "ما"، سهو. وكذا في "ك".
  3. (٣) "ط": "فالاشتغال".
500

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي