طريق الهجرتين

لأضدادها وأعدائها١ فيه مسلك٢، وإذا صادفت فيه موضعًا مشغولًا بغيرٍ من الأغيار لم تساكن٣ ذلك الموضع، فيدخلُ الضدُّ والعدوُّ من تلك الثُّلْمة، كما قال القائل:

لا كان مَن لِسواكَ فيه بقيَّةٌيجدُ السبيلَ بها إليه العُذَّلُ٤

وقال٥:

ومهما بقي لِلصَّحْو فيه بقيَّةٌيجد نحوَك اللاحي سبيلًا إلى العَذْلِ٦

قالوا: وأيضًا فدواعي الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إمَّا جهل وإمَّا ضعف. فإنَّها لا تصدر إلا من جهل العبد بآثارها وموجباتها، أو يكون عالمًا بذلك لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية. وما كان سببه جهلًا أو عجزًا لا يكون كمالًا ولا مستلزمًا لكمالٍ. وأمَّا القلب الخالي منها ومن الاشتغال بدفعها، فقلب شريف قويّ علويّ رفيع.

قالوا: وأيضًا فهذه الإرادات والدواعي لا تُسيِّر العبد، بل إمَّا أن تنكّسه إن أجابها، وإمَّا أن تُعوّقه وتُوقفه إن اشتغل بمدافعتها. وأمَّا

  1. (١) "ب": "إعدامها"، تحريف.
  2. (٢) "ف": "ملك"، تحريف.
  3. (٣) "ط": "لم يساكن".
  4. (٤) سيأتي مرَّة أخرى في ص (٦٣٨). وقد أنشده المؤلف في الفوائد (٦٤). ومدارج السالكين (٣/ ٢٥٤) و(٢/ ٦٠١) (والقافية: اللوَّم) و(٢/ ٦١٥) (بعجز مختلف).
  5. (٥) "ب": "وقال غيره".
  6. (٦) أنشده المؤلف في مدارج السالكين (٣/ ٢٩٨).
503

إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنَّة بربّها، فكلُّ إرادة منها تسير به مراحلَ على مَهَلِه١، فهو يسيرُ رُويدًا، وقد سبقَ السُّعَاةَ٢، كما قيل:

مَنْ لي بمثل سَيرِكَ المُدَلَّلِتمشي رُويدًا وتجي في الأوَّلِ٣

قالوا: وأيضًا فإنَّ هذه الدواعي والإرادات إنّما تُحمَد عاقبتُها إذا ردّت صاحبَها إلى حال السليم منها، فيكون كماله في تشبّهه به وسيره معه؛ فكيف يكون أكمل ممّن كمالُه إنّما هو في تشبّهه به؟

قالوا: وأيضًا فالنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنّة. والنفس الأمّارة هي المطيعة لدواعي طباعها وشهواتها، فمبادئ كونها أمّارة هي تلك الدواعي والإرادات، فتستحكم، فتصير عزَمات، ثمَّ تُوجِب الأفعال؛ فمبدأُ صفة الذم فيها تلك الدواعي. وأمَّا النفس المطمئنّة فهي التي عَدِمتْ هذه المبادئ فعدِمت غاياتها. فكيف تكون مبادئ النفس الأمَّارة ممَّا يوجب لها مزيَّةً على النَّفسِ المطمئنّة؟

فهذا ونحوه ممَّا احتجَّت به هذه الطائفة أيضًا لقولها.

  1. (١) كذا ضبطت الكلمة في "ب". وفي "ف": "مُهْلة".
  2. (٢) "ط": "السعادة"، تحريف. وقد تقدَّم قريبًا مثل هذا التحريف.
  3. (٣) تمثل به المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٢) ومدارج السالكين (٣/ ٧). وقد أورد الميداني هذا المثل على وجه آخر؟
    تسألني أمُّ الخيار جَمَلا ... يمشي رويدًا ويكون أوَّلا
    وقال إنَّه يضرب في طلب ما يتعذَّر. مجمع الأمثال (١/ ٢٤٨)، وقال العسكري إنَّ قولهم: "تمشي رويدًا وتكون الأول" يراد به أنه يدرك حاجته في تؤدة. جمهرة الأمثال (١/ ٢٦٠)، وهو المراد هنا.
504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي