طريق الهجرتين

إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنَّة بربّها، فكلُّ إرادة منها تسير به مراحلَ على مَهَلِه١، فهو يسيرُ رُويدًا، وقد سبقَ السُّعَاةَ٢، كما قيل:

مَنْ لي بمثل سَيرِكَ المُدَلَّلِتمشي رُويدًا وتجي في الأوَّلِ٣

قالوا: وأيضًا فإنَّ هذه الدواعي والإرادات إنّما تُحمَد عاقبتُها إذا ردّت صاحبَها إلى حال السليم منها، فيكون كماله في تشبّهه به وسيره معه؛ فكيف يكون أكمل ممّن كمالُه إنّما هو في تشبّهه به؟

قالوا: وأيضًا فالنفوس ثلاثة: أمّارة، ولوّامة، ومطمئنّة. والنفس الأمّارة هي المطيعة لدواعي طباعها وشهواتها، فمبادئ كونها أمّارة هي تلك الدواعي والإرادات، فتستحكم، فتصير عزَمات، ثمَّ تُوجِب الأفعال؛ فمبدأُ صفة الذم فيها تلك الدواعي. وأمَّا النفس المطمئنّة فهي التي عَدِمتْ هذه المبادئ فعدِمت غاياتها. فكيف تكون مبادئ النفس الأمَّارة ممَّا يوجب لها مزيَّةً على النَّفسِ المطمئنّة؟

فهذا ونحوه ممَّا احتجَّت به هذه الطائفة أيضًا لقولها.

  1. (١) كذا ضبطت الكلمة في "ب". وفي "ف": "مُهْلة".
  2. (٢) "ط": "السعادة"، تحريف. وقد تقدَّم قريبًا مثل هذا التحريف.
  3. (٣) تمثل به المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ٣٠٢) ومدارج السالكين (٣/ ٧). وقد أورد الميداني هذا المثل على وجه آخر؟
    تسألني أمُّ الخيار جَمَلا ... يمشي رويدًا ويكون أوَّلا
    وقال إنَّه يضرب في طلب ما يتعذَّر. مجمع الأمثال (١/ ٢٤٨)، وقال العسكري إنَّ قولهم: "تمشي رويدًا وتكون الأول" يراد به أنه يدرك حاجته في تؤدة. جمهرة الأمثال (١/ ٢٦٠)، وهو المراد هنا.
504

والحقّ أنَّ كلا الطائفتين١ على صوابٍ من القول، لكن كلّ فرقة لحظت غيرَ ملحظِ الفرقة الأخرى، فكأنَّهما لم يتواردا على محلٍّ واحدٍ. بل الفرقة الأولى نظرت إلى نهاية خير٢ المجاهدة لنفسه وإراداته٣ وما ترتَّب له عليها من الأحوالِ والمقاماتِ، فأوجب لها شهودُ نهايته رجحانَه، فحكمت بترجيحه، وأسجلَت٤ بتفضيله. والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته في شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنّة، فأوجبَ لها شهودُ الأمرين الحكمَ بترجيحِ القلب الخالي من تلك الدواعي ومجاهدتها. وكلّ واحدة من الطائفتين فقد أدْلَتْ بحججٍ لا تمانَع، وأَتَتْ ببيناتٍ لا تُرَدُّ ولا تُدافَع.

[مسألة شريفة أخرى]٥

وفصل الخطاب في هذه المسألة يظهر بمسألة ترتضع معها من

  1. (١) كذا في الأصل وغيره بتذكير "كلا". وقد تكرَّر مثله في كتبه وكتب شيخ الإسلام. انظر مثلًا: زاد المعاد (١/ ٢٠٩)، والروح (٤٧٨)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٥٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧)، و(٨/ ٣٣٧)، و(١١/ ٧٠). وقاعدة في الاستحسان (٨٩).
  2. (٢) "ك": "خبر". "ط": "سير المجاهد".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "إرادته".
  4. (٤) "ف": "انحلت". "ك، ط": "استحلت" وكلاهما تحريف. وقوله "أسجلت" يعني به أنَّها أطلقت القول بتفضيله وحكمت بذلك. ومثله قول المصنف في الصواعق (٢/ ٧٩١) "أسجل عليهم بالكفر والنفاق" وقوله فيه (٢/ ٤٦٨)، "أسجل عليهم إسجالًا عامًّا. . . بعجزهم عن ذلك" أي: حكم عليهم بذلك حكمًا مطلقًا. وهو من قولهم: أسجل لهم الأمر: أطلقه لهم، وأسجل الكلام: أرسله. انظر: اللسان "سجل" (١١/ ٣٢٦).
  5. (٥) في حاشية "ب": "مسألة شريفة أيضًا".
505

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي