والحقّ أنَّ كلا الطائفتين١ على صوابٍ من القول، لكن كلّ فرقة لحظت غيرَ ملحظِ الفرقة الأخرى، فكأنَّهما لم يتواردا على محلٍّ واحدٍ. بل الفرقة الأولى نظرت إلى نهاية خير٢ المجاهدة لنفسه وإراداته٣ وما ترتَّب له عليها من الأحوالِ والمقاماتِ، فأوجب لها شهودُ نهايته رجحانَه، فحكمت بترجيحه، وأسجلَت٤ بتفضيله. والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته في شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنّة، فأوجبَ لها شهودُ الأمرين الحكمَ بترجيحِ القلب الخالي من تلك الدواعي ومجاهدتها. وكلّ واحدة من الطائفتين فقد أدْلَتْ بحججٍ لا تمانَع، وأَتَتْ ببيناتٍ لا تُرَدُّ ولا تُدافَع.
[مسألة شريفة أخرى]٥
وفصل الخطاب في هذه المسألة يظهر بمسألة ترتضع معها من
(١) كذا في الأصل وغيره بتذكير "كلا". وقد تكرَّر مثله في كتبه وكتب شيخ الإسلام. انظر مثلًا: زاد المعاد (١/ ٢٠٩)، والروح (٤٧٨)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٤٥٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٧)، و(٨/ ٣٣٧)، و(١١/ ٧٠). وقاعدة في الاستحسان (٨٩).
(٢) "ك": "خبر". "ط": "سير المجاهد".
(٣) "ب، ك، ط": "إرادته".
(٤) "ف": "انحلت". "ك، ط": "استحلت" وكلاهما تحريف. وقوله "أسجلت" يعني به أنَّها أطلقت القول بتفضيله وحكمت بذلك. ومثله قول المصنف في الصواعق (٢/ ٧٩١) "أسجل عليهم بالكفر والنفاق" وقوله فيه (٢/ ٤٦٨)، "أسجل عليهم إسجالًا عامًّا. . . بعجزهم عن ذلك" أي: حكم عليهم بذلك حكمًا مطلقًا. وهو من قولهم: أسجل لهم الأمر: أطلقه لهم، وأسجل الكلام: أرسله. انظر: اللسان "سجل" (١١/ ٣٢٦).
(٥) في حاشية "ب": "مسألة شريفة أيضًا".
لِبانها، وتخرج١ من مشكاتها، وهي أنَّ العبدَ إذا كان له حال أو مقام مع اللَّه، ثمَّ نزل عنه إلى ذنب ارتكبه، ثمَّ تاب من ذنبه، هل يعود إلى مثل ماكان؟ أو لا يعود، بل إنْ رجع رجعَ إلى أنزلَ من مقامه وأنقصَ من رتبته؟ أو يعود خيرًا ممَّا كان؟
فقالت طائفة: يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأوَّل٢، فإنَّ "التَّائب من الذنب كمن لا ذنب له"٣، وإذا مُحي أثرُ الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه، فكأنَّه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله.
قالوا: ولأنَّ التوبة هي الرجوع إلى اللَّه بعد الإباق منه، فإنَّ المعصية إباق العبد من ربِّه، فإذا تابَ إلى اللَّه فقد رجع إليه. وإذا كان مسمَّى التوبة هو الرجوع، فلو لم يعد إلى حالته الأولى مع اللَّه لم تكن توبته تامَّة، والكلام إنَّما هو في التوبة النصوح.
قالوا: ولأنَّ التوبة كما ترفع أثرَ الذنب في الحالِ بالإقلاع عنه في المستقبل بالعزمِ على أن لا يعود، فكذلك ترفع أثره في الماضي جملةً. ومن أثره في الماضي انحطاط منزلته عند اللَّه ونقصانه عنده، فلا بدَّ من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة، وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله.
قالوا: ولأنَّه لو بقي نازلًا من مرتبته منحطًّا عن منزلته بعد التوبة كما
(١) "ط": "يرتضع. . يخرج"، تصحيف.
(٢) "ك، ط": "الأولى". "ب": "إلى حاله الأول".
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠٢٨١) من طريق أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه مرفوعًا. قال السخاوي في المقاصد الحسنة (١٨٢): "ورجاله ثقات، بل حسنه شيخنا يعني لشواهده، وإلا فأبو عبيدة جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه".