بمجامعه، ويجعله عاكفًا على ربِّه -الذي لا إلهَ له غيره١، ولا ربَّ له سواه- عكوفَ المحبّ الصادق على محبوبه، الذي لا غنى له عنه، ولا بُدَّ له منه، ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا.
واحتجّوا أيضًا بأنَّ العبدَ قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، لأنَّ الذنبَ يُحدِث له من الخوف والخشية، والانكسار والتذلّل للَّه، والتضرّع بين يديه، والبكاءِ على خطيئته، والندم عليها، والأسف والإشفاق٢، ما هو من أفضل أحوال العبدِ وأنفعها له في دنياه وآخرته. ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون أسبابها، إذ حصول الملزوم بدون لازمه محال. واللَّه تعالى يحبّ من عبده كسرتَه، وتضرّعه، وذلّه بين يديه، واستعطافه، وسؤاله أن يعفو عنه، ويغفر له، ويتجاوز عن جرمه وخطيئته. فإذا قضى عليه بالذنب فترتَّبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاءُ خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن. ولهذا قال بعض السلف: "لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى٣ بالذنب أكرمَ الخلق عليه"٤.
وقيل: إنَّ في بعض الآثار يقول اللَّه تعالى لداود: "يا داود كنتَ تدخل عليَّ دخولَ الملوكِ على الملوكِ، واليوم تدخل عليَّ دخولَ العبيد على الملوك"٥. قالوا: وقد قال غير واحدٍ من السلف: كان داود بعد التوبة
(١) "ب، ك": "لا إله غيره". "ط": "لا إله إلَّا هو".
(٢) "ط": "الإشفاء"، تحريف.
(٣) في "ط" بياض مكان "ابتلى".
(٤) نقله شيخ الإسلام في منهاج السنة (٢/ ٤٣٢) و(٦/ ٢١٠)، وضمّنه المؤلِّف كلامه في مدارج السالكين (١/ ٣٧٣)، وشفاء العليل (٣٤١).
(٥) نقله المصنف في مدارج السالكين (١/ ٣٧٦) من قول اللَّه تعالى لآدم عليه =
خيرًا منه قبل الخطيئة١. قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ٢٥﴾[ص/ ٢٥]، فزاده على المغفرة أمرين٢: "الزلفى"، وهي درجة القرب منه. وقد قال فيها سلف الأُمَّة وأئمّتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم. ومن أراد معرفتَها فعليه بتفاسير السلف. والثاني: "حسن المآب"، وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند اللَّه. قالوا: ومن تأمَّلَ زيادة القرب التي أعطيها داود بعد المغفرة علم صحَّة ما قلنا، وأنَّ العبدَ بعد التوبة يعود خيرًا ممَّا كان.
قالوا: وأيضًا فإنَّ للعبودية لوازم وأحكامًا وأسرارًا وكمالاتٍ لا تحصل إلا بها. ومن جملتها تكميل مقام الذلّ للعزيز الرحيم، فإنَّ اللَّه سبحانه يحبّ من٣ عبده أن يكمل مقام الذلّ له، وهذا هو٤ حقيقة العبودية. واشتقاقها٥ يدل على ذلك، فإنَّ العرب تقول: "طريق معبَّد" أي: مذلَّل بوطءِ الأقدام.
والذل أنواع: أكملها٦ ذلّ المحبّ لمحبوبه. الثاني: ذلّ المملوك لمالكه. الثالث: ذلّ٧ الجاني بين يدي المنعم عليه، المحسن إليه،
= السلام. وهر من كلام طويل ذكر أنَّه "قيل بلسان الحال في قصة آدم ﵇ وخروجه من الجنَّة بذنبه".