طريق الهجرتين

استدعى منه أن يجعل غضبَه غالبًا على رحمته، وعقوبَته على إحسانه؛ وهو سبحانه يحبُّ من نفسه الإحسان والبر والإنعام، فقد استدعى من ربِّه فعلَ ما غيرُه أحبُّ إليه منه.

وهو بمنزلة عبد السَّوءِ١ الذي يحمل أستاذَه من المخلوقين المحسنَ إليه، الذي طبيعتُه الإحسان والكرم، على خلاف مقتضى طبيعته وسجيّته. فأستاذه يحب بطبعه٢ الإحسان، وهو بإساءته ولؤمه يُكلِّفه ضدَّ طباعه، ويحمله على خلاف سجيته. فإذا راجع هذا العبدُ ما يحبُّ سيّدُه، ورجع إليه، وأقبل عليه، وأعرض٣ عن عدوِّه، فقد صار إلى الحالِ التي تقتضي محبَّة سيّده له وإنعامه عليه وإحسانَه إليه، فيفرح به -ولا بُدَّ- أعظمَ فرح، وهذا الفرحُ هو دليلٌ على٤ غاية الكمال والغنى والمجد.

فليتدبّر اللبيبُ وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجدْ في طيِّه من المعارف الإلهية ما لا تتّسع له إلا القلوب المهيّأة لهذا الشأن المخلوقةُ له. وهذا فرحُ محسن برّ لطيف جواد غني حميد، لا فرَحُ محتاجٍ إلى حصول ما يفرح به٥، مستكمل٦ به، مستفيد٧ له من غيره. فهو عين

  1. = واحد، لم تأمن قلب الهزيمة عليك".
  2. (١) "ب": "العبد السوء".
  3. (٢) "ب، ك، ط": "لطبعه".
  4. (٣) "ك، ط": "رجع".
  5. (٤) "على": ساقط من "ب، ك، ط".
  6. (٥) "ما يفرح به" ساقط من "ط".
  7. (٦) "ب، ك، ط": "متكمل".
  8. (٧) "ط": "مستقبل"، تحريف.
525

الكمالِ، لازم للكمال، ملزوم له.

وألطف من هذا الوجهِ أنَّ اللَّه سبحانه خلق عباده المؤمنين، وخلق كلَّ شيءٍ لأجلهم، كما قال تعالى١ لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ٣٣﴾ [آل عمران/ ٣٣]، وقال تعالى لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ٤١﴾ [طه/ ٤١]. واتّخذ منهم الخليلين، والخلَّة أعلى درجات المحبة، وقد جاءَ في بعض الآثار: يقول تعالى٢: "ابنَ آدم خلقتُك لنفسي، وخلقتُ كلَّ شيءٍ لك، فبحقِّي عليك لا تشتغل بما خلقتُه لك عمَّا خلقتُك له"٣.

وفي أثر آخر يقول تعالى: "ابنَ آدم، خلقتُك لنفسي، فلا تلعبْ، وتكفَّلتُ برزقك، فلا تتعَبْ. ابنَ آدمَ اطلبني تجدْني، فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيءٍ، وإنْ فُتُّكَ فاتك كل شيءٍ، وأنا أحبّ إليك من كلِّ شيءٍ"٤.

فاللَّه سبحانه خلق عبادَه له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقدٌ لم يعقده مع خَلْقٍ غيرهم -فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ ليسلِّموا إليه النفوسَ التي خلقها له. وهذا الشِّرَى دليلٌ على أنَّها محبوبةٌ له

  1. (١) أثبت في "ط" هنا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان/ ٢٠]، وزاد: "وكرّمهم وفضلهم على كثيرٍ ممن خلق، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إلى آخر الآية [الإسراء/ ٧٠]. ثمَّ أثبت "وقال" بين حاصرتين لتصحيح السياق.
  2. (٢) "ب": ". . الآثار أنَّ اللَّه تعالى يقول".
  3. (٣) ذكره المصنف في روضة المحبين (٤٣٢) وشيخ الإسلام في الفتاوى (١/ ٢٣) (ص). لم أقف عليه في مظانه، وذكره المناوي في فيض القدير (٢/ ٣٠٥) (ز).
  4. (٤) تقدم في ص (٩٥).
526

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي