طريق الهجرتين

المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فرّ من محبّه وآثر غيرَه عليه. فإذا عاوده، وأقبل إليه، وتخلّى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبُّه أعظمَ فرح وأكملَه؟ والشاهد أقوى شاهد بهذا والفطرة١ والعقل، فلو لم يخبِر الصادقُ المصدوقُ بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت الشرعة المنزلة إلى الفطرة المكفلة٢ إلى العقل الصحيح٣ المنوّر، فذلك الذي لا غاية٤ بعده. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

فصل

ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذّة التي تحصل له؛ والجزاءُ من جنس العمل. فلمّا تاب إلى اللَّه، ففرح اللَّه بتوبته، أعقبه فرحًا عظيمًا.

وههنا دقيقة قلّ من يتفطّن لها إلّا فقيه في هذا الشأن. وهي أنّ كلّ تائب لا بدّ له في أوّل توبته من عَصرة وضَغطة في قلبه، من همّ أو غمّ أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلّا تألّم٥ بفراق٦ محبوبه، فينضغط لذلك وينعصر قلبه، ويضيق صدره؛ فأكثرُ الخلق رجعوا من التوبة ونُكِسوا

  1. (١) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": ". . أقوى شاهد تؤيده الفطرة".
  2. (٢) "إلى الفطرة المكملة" ساقط من "ط".
  3. (٣) كلمة "الصحيح" ساقطة من "ط".
  4. (٤) "ك، ط": "غاية له".
  5. (٥) "ف": "تألمه"، خلاف الأصل. وكذا في "ك، ط".
  6. (٦) "ب": "لفراق".
529

على رؤوسهم لأجل هذه المحنة١. والعارف الموفّق يعلم أنّ الفرحة والسرور واللذّة الحاصلة٢ عقيبَ التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلّما كانت٣ أقوى وأشدّ كانت الفرحة واللذّة أكمل وأتمّ. ولذلك أسباب عديدة:

منها: أنّ هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميّتا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك.

وأيضًا: فإنّ الشيطان لصّ الإيمان، واللصّ إنّما يقصد المكان المعمور، وأمّا المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده. فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دلّ على أنّ في قلبه من الخير ما يشتدّ حرص الشيطان على نزعه منه.

وأيضًا: فإنّ قوة المعارض والمضاذ تدلّ على قوة معارضه وضدّه٤، ومثل هذا إمّا أنّ يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشرّ. فإنّ النفوس الأبيّة القويّة إن كانت خيّرةً رأستْ في الخير٥، وإن كانت شِرِّيرةً رأست في الشرّ.

وأيضًا: فإنّ بحسب مدافعته٦ لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادةَ انشراحه وطمأنينته.

  1. (١) "ط": "المحبة"، تصحيف. وكذا كان في "ك"، ثمَّ عدّل.
  2. (٢) في الأصل: "الحاصل"، سهو. وكذا في "ف، ب". والمثبت من "ك، ط".
  3. (٣) "ب": "كانت العصرة".
  4. (٤) "ب": "قوة معارضة ومضادّة"، خطأ.
  5. (٥) "أو رأسًا في الشرِّ. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
  6. (٦) "ب، ك، ط": "موافقته"، تحريف شنيع.
530

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي