على رؤوسهم لأجل هذه المحنة١. والعارف الموفّق يعلم أنّ الفرحة والسرور واللذّة الحاصلة٢ عقيبَ التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلّما كانت٣ أقوى وأشدّ كانت الفرحة واللذّة أكمل وأتمّ. ولذلك أسباب عديدة:
منها: أنّ هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميّتا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك.
وأيضًا: فإنّ الشيطان لصّ الإيمان، واللصّ إنّما يقصد المكان المعمور، وأمّا المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده. فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دلّ على أنّ في قلبه من الخير ما يشتدّ حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيضًا: فإنّ قوة المعارض والمضاذ تدلّ على قوة معارضه وضدّه٤، ومثل هذا إمّا أنّ يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشرّ. فإنّ النفوس الأبيّة القويّة إن كانت خيّرةً رأستْ في الخير٥، وإن كانت شِرِّيرةً رأست في الشرّ.
وأيضًا: فإنّ بحسب مدافعته٦ لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادةَ انشراحه وطمأنينته.
(١) "ط": "المحبة"، تصحيف. وكذا كان في "ك"، ثمَّ عدّل.
(٢) في الأصل: "الحاصل"، سهو. وكذا في "ف، ب". والمثبت من "ك، ط".
(٣) "ب": "كانت العصرة".
(٤) "ب": "قوة معارضة ومضادّة"، خطأ.
(٥) "أو رأسًا في الشرِّ. . . " إلى هنا ساقط من "ب".
(٦) "ب، ك، ط": "موافقته"، تحريف شنيع.
وأيضًا: فإنّه كلّما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه. هذه سنّة اللَّه في الخلق. فانظر إلى الجنّة وعِظَمها، وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتّى أوجبَتْ أن ذهب من كلِّ ألف رجلٍ واحدٌ إليها. وانظر إلى محبّة اللَّه، والانقطاع إليه، والإنابة إليه١، والتبتّل إليه وحده، والأنس به، واتخاذه وليًّا ووكيلًا وكافيًا وحسيبًا؛ هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟ وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتّى قد تعلّق كل قوم بما تعلّقوا٢ به دونه. والطالبون له منهم الواقف مع عمله٣، والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقِه وجمعيّته وحظِّه من ربّه؛ والمطلوبُ منهم وراء ذلك كلّه.
والمقصود أنَّ هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجلِّ الأمور وأعظمها نُصِبَتْ عليه المعارضاتُ والمحن، ليتميّز الصادق من الكاذب، وتقع الفتنة، ويحصل الابتلاءُ، ويتميّز من يصلح ممَّن لا يصلح٤. قال تعالى: ﴿الم ١ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ٣﴾[العنكبوت/ ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك/ ٢]. ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضَتْ به إلى رياضِ الأُنس وجنَّات الانشراح؛ وإنْ لم يصبر لها انقلب على وجهه. واللَّه الموفّق، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه.