وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيميّة، فسمعتُه يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجزدة. فإمّا سألتُه، وإمّا سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أنّ من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود أكمل مما كان١، ومنهم من يعود أنقص٢ ممّا كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا ممّا كان قبل الخطيئة، وأشدّ حذرًا، وأعظم تشميرًا، وأعظم ذلًّا وخشيةً وإنابةً، عاد إلى أرفع ممّا كان. وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور، ولم يعُدْ بعد التوبة إليها، عاد إلى أنقصَ ممّا كان عليه. وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه ﵁٣.
[مسألة أخرى]
قلتُ: وههنا مسألةٌ، هذا الموضعُ أخصُّ المواضعِ ببيانها. وهي أنّ التائب إذا تاب إلى اللَّه توبةً نصوحًا، فهل تمُحى تلك السيئات، ويذهب لا له ولا عليه، أوإذا مُحِيتْ أُثبِت له مكان كلّ سيّئةٍ حسنةٌ؟٤
هذا مما اختلف الناس فيه من المفسّرين وغيرهم قديمًا وحديثًا. فقال الزجّاج: "ليس يُجعَل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة"٥.
(١) "ب، ك، ط": "يعود إلى أكمل منها".
(٢) "ب، ك، ط": "إلى أنقص".
(٣) حكى المصنف كلام شيخ الإسلام في الداء والدواء (١٣٧)، ومدارج السالكين (١/ ٣٦٨) أيضًا. وانظره بعينه في منهاج السنة (٢/ ٤٣٢).
(٤) انظر في هذه المسألة أيضًا: مدارج السالكين (١/ ٣٧٨).
(٥) قول الزجاج بهذا اللفظ في معاني القرآن للنحاس (٨٤١)، وتفسير القرطبي =
قال ابن عطية: "يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة. فيكون ذلك سببًا لرحمة اللَّه إئاهم. قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن" وردّ على من قال: هو في يوم القيامة. قال: "وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذرّ يقتضي أنّ اللَّه سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحّدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري. وهذا تأويل سعيد بن المسيّب في هذه الآية". قال ابن عطية: "وهو معنى كرم العفو"١. هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتي إن شاءَ اللَّه ذكرُ الحديث بلفظه، والكلام عليه.
قال المهدوي: "وروي معنى هذا القول عن سلمان الفارسي وسعيد ابن جبير وغيرهما".
وقال الثعلبي: "قال ابن عبّاس وابن جريج والضحّاك وابن زيد: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[الفرقان/ ٧٠]: يبدّلهم اللَّه بقبائح٢ أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم٣ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتلَ المشركين، وبالزنى عفّةً وإحصانًا. وقال الآخرون٤: يعني يبذل اللَّه سيّئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسناتٍ يوم القيامة"٥.