قال ابن عطية: "يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة. فيكون ذلك سببًا لرحمة اللَّه إئاهم. قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن" وردّ على من قال: هو في يوم القيامة. قال: "وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذرّ يقتضي أنّ اللَّه سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحّدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري. وهذا تأويل سعيد بن المسيّب في هذه الآية". قال ابن عطية: "وهو معنى كرم العفو"١. هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتي إن شاءَ اللَّه ذكرُ الحديث بلفظه، والكلام عليه.
قال المهدوي: "وروي معنى هذا القول عن سلمان الفارسي وسعيد ابن جبير وغيرهما".
وقال الثعلبي: "قال ابن عبّاس وابن جريج والضحّاك وابن زيد: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾[الفرقان/ ٧٠]: يبدّلهم اللَّه بقبائح٢ أعمالهم في الشرك محاسنَ الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم٣ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتلَ المشركين، وبالزنى عفّةً وإحصانًا. وقال الآخرون٤: يعني يبذل اللَّه سيّئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسناتٍ يوم القيامة"٥.
= (٧/ ٥٣). وانظر: معاني القرآن وإعرابه (٤/ ٧٦).
(١) المحرر الوجيز (٤/ ٢٢١).
(٢) "ك، ط": "بقبيح".
(٣) "ب": "فيبدلهم اللَّه".
(٤) " ب، ك، ط": "آخرون".
(٥) الكشف والبيان (٤/ ٤٣٣).
وأصل القولين أنّ هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال إنه في الدنيا قال١: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات؛ وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجّوا بأنّ السيّئة لا تنقلب حسنةً، بل غايتها أن تُمْحى وتُكَفَّر ويذهب أثرها. فأما أن تنقلب حسنةً فلا، فإنّها لم تكن طاعة، وإنّما كانت بغيضة٢ مكروهة للربّ، فكيف تنقلب محبوبة له٣ مرضيّة؟
قالوا: وأيضًا فالذي دلّ عليه القرآن إنّما هو تكفير السيّئات ومغفرة الذنوب، كقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾[آل عمران/ ١٩٣]، وقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾[الشورى/ ٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[الزمر/ ٥٣]. والقرآن مملوءٌ من ذلك.
وفي الصحيح من حديث قتادة، عن صفوان بن مُحرِز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعتَ رسولَ اللَّه ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعتُه يقول: "يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربّه حتّى يضعَ عليه كنَفَه، فيقرّره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟٤ فيقول: ربِّ أعرِفُ٥. قال: فإنّي قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطَى صحيفةَ حسناتِه. وأمّا الكفّار والمنافقون فيُنادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاءِ الذين كذبوا على اللَّه ﷿"٦. فهذا الحديث المتفَق عليه الذي
(١) "ف": "هل"، سهو.
(٢) "ب": "معصية"، تحريف.
(٣) "له": ساقط من "ط".
(٤) "ب": "أتعرف ذنب كذا".
(٥) "ب": "فكيف".
(٦) أخرجه البخاري في كتاب المظالم (٢٤٤١) وغيره، ومسلم في كتاب التوبة =