طريق الهجرتين

هو سبحانه بسيّئاتهم، لا أنَّهم فعلوه من تلقاءِ أنفسهم، وإن كان سببُه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.

قالوا: ويدلّ عليه ما رواه مسلم في صحيحه١ من حديث الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إنِّي لأعلم آخرَ أهلِ الجنَّة دخولًا الجنَّة، وآخِرَ أهل النَّارِ خروجًا منها: رجلٌ يُؤتَى به يومَ القيامة فيقال: اعرضُوا عليه صغارَ ذنوبه، وارفعوا عنه كبارَها. فتُعرَضُ عليه صغارُ ذنوبه فيقال: عملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، وعملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم. لا يستطيع أن يُنكر، وهو مشفِق من كبار ذنوبه أن تُعرَضَ عليه. فيقال له: فإنَّ لك مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. فيقول: ربِّ، قد عملتُ أشياءَ لا أراها ههنا" فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضحِكَ حتَّى بدَتْ نواجذُه.

وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يؤتى بالرجل يومَ القيامة، فيقال: اعرِضوا عليه صغارَ ذنوبه. قال: فتُعرَض عليه، ويُخَبَّأ عنه كبارُها. فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ وهو مُقِرٌّ لا ينكر، وهو مشفِق من الكبار. فيقال: أعطُوه مكانَ كلِّ سيئةٍ عمِلَها حسنةً. قال: فيقول: إنَّ لي ذنوبًا ما أراها". فلقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ ضحك حتَّى بدت نواجذُه٢.

قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملي، عن محمد بن عبد العزيز

  1. (١) في كتاب الإيمان (١٩٠).
  2. (٢) المسند (٢١٣٩٣) وقال محققه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين". ومن طريقه أخرجه مسلم في الإيمان (١٩٠/ ٣١٥).
539

ابن أبي رِزْمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعي، عن أبي العنبَس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لَيَتَمَنَّينَّ أقوامٌ أنَّهم أكثروا من السيّئات". قيل: مَن هم؟ قال: "الذين بدّل اللَّهُ١ سيّئاتِهم حسناتٍ"٢.

قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنَّهم إنَّما سُمُّوا "أبدالًا" لأنهم بدَّلوا أعمالهم السيّئة بالأعمال الحسنة، فبدَّل اللَّهُ سيّئاتِهم التي عملوها حسناتٍ.

قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدَّلوا هم أعمالهم السيئة بالحسنة، بدَّلها اللَّهُ من٣ صُحُفِ الحَفَظة حسناتٍ جزاءً وفاقًا.

قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاجُ بحديث أبي ذرّ على صحّة قولكم، وهو صريح في أنَّ هذا الذي قد بُدِّلت سيّئاته حسنات قد عُذِّبَ عليها في النَّار حتَّى كان آخرَ أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيّئاته، فزال أثرُها بالعقوبة، فبُدِّل مكانَ كلّ سيّئة منها حسنةً. وهذا حكمُ غير٤ ما نحن فيه، فإنَّ الكلام في التائب من السيّئات، لا فيمن مات مصرًّا عليها غيرَ تائب منها٥، فأين أحدهما من الآخر؟

  1. (١) لفظ الجلالة ساقط من "ط".
  2. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٥٤٢٩)، والحاكم (٤/ ٢٥٢) وقال: "أبو العنبس هذا سعيد بن كثير وإسناده صحيح ولم يخرجاه". وأبو العنبس ثقة، لكن فيه كثير بن عبيد والد أبي العنبس، رضيع عائشة، تابعي سمع عائشة وروى عنه جماعة. وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يبعد سماعه من أبي هريرة. (ز).
  3. (٣) "ف": "في"، خلاف الأصل.
  4. (٤) "ب": "على غير".
  5. (٥) "منها" ساقط من "ب، ك، ط".
540

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي