طريق الهجرتين

وتأذّيه بها وباهلها، وتعَبِ قلبِه بشغله بها، ونحو هذا من المزهّدات فيها. كما قيل لبعضهم: ما الذي أوجبَ زهدَك في الدنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها١. فهذا زهد ناقص، فلو صفَتْ للزاهد من تلك العوارض لم يزهد فيها؛ بخلاف من كان زهده فيها لامتلاءِ قلبه من الآخرة، ورغبته في اللَّه وقربه؛ فهذا لا نقص في زهده، ولا علَّة من جهة كونه زهدًا.

الثالث: أن يشهد زهدَه ويلحظه، ولا يفنى عنه بما زهِد لأجله؟ فهذا نقص أيضًا. فالزهدُ كلّه أن تزهد في رؤية زهدك، وتغيب٢ برؤية الفضل ومطالعة المنَّة، وأن لا تقف عنده فتنقطع٣. بل أعرِضْ عنه جادًّا في سيرك، غيرَ ملتفتٍ إليه، مستصغرًا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك٤. مع أنَّ هذه العلَّة مطردة في جميع المقامات على ما فيها، كما سيُنبّه٥ عليه إن شاء اللَّه. فإنَّ ربطَ هذا الشأن بالنصوص النبويّة والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهمِّ الأمور، فلا يحسن بالنَّاصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرّد تقليد أهله، فما أكثرَ غلطهم فيه، وتحكيمَهم فيه٦ مجرَّدَ الذوق، وجَعْلَ حكمَ ذلك الذوقِ كلّيًّا عامًّا!

  1. (١) ذكره المصنف في مفتاح دار السعادة (١/ ٤٢٩)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٢).
  2. (٢) "ط": "تغيب عنه".
  3. (٣) "ف": "فينقطع"، والصواب ما أثبتنا من "ب، ط". وفي "ك": "منقطع" تحريف.
  4. (٤) "إلى مطلوبك" سقط من "ف".
  5. (٥) ضبط في الأصل بالياء، وفي "ب، ك، ط": "سننته".
  6. (٦) "فيه": ساقط من "ب، ك، ط".
547

فهذه ونحوها١ من مثارات الغلط.

الوجه الرَّابع: أنَّ الزهد على أربعة أقسام:

أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام. وهذا متى أخلَّ به انعقد سبب العقاب، فلا بدَّ من وجود مسبَّبه، ما لم ينعقد سبب آخر يضادّه.

الثاني: زهد مستحبّ، وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنّن٢ في الشهوات المباحة.

الثالث: زهد الدَّاخلين في هذا الشأن، وهم المشمّرون في السير إلى اللَّه. وهو نوعان:

أحدهما: الزهد في الدنيا جملةً، وليس المراد تخليتها٣ من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفْرًا منها، وإنَّما المراد إخراجها من قلبه بالكلّية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تُساكِن قلبَه وإن كانت في يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك، وهي في قلبك؛ وإنَّما الزهد أن تتركها من قلبك، وهي في يدك. وهذا كحال الخلفاء الرَّاشدين، وعمر بن العزيز الذي يضرب بزهده المثل، مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيّد ولد آدم ﷺ حين فُتِحَ عليه٤ من الدنيا ما فُتِحَ، ولا يزيده ذلك إلا

  1. (١) "ك، ط": "فهذا ونحوه"، وقد سقط "نحوها" من "ب".
  2. (٢) "ف": "اليقين"، تصحيف.
  3. (٣) "ف": "عليها"، تحريف. "ط": "تخليها".
  4. (٤) "ط": "فتح اللَّه عليه".
548

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي