أحدها: فرض على كل مسلم، وهو الزهد في الحرام. وهذا متى أخلَّ به انعقد سبب العقاب، فلا بدَّ من وجود مسبَّبه، ما لم ينعقد سبب آخر يضادّه.
الثاني: زهد مستحبّ، وهو على درجات في الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد في المكروه وفضول المباحات والتفنّن٢ في الشهوات المباحة.
الثالث: زهد الدَّاخلين في هذا الشأن، وهم المشمّرون في السير إلى اللَّه. وهو نوعان:
أحدهما: الزهد في الدنيا جملةً، وليس المراد تخليتها٣ من اليد ولا إخراجها وقعوده صِفْرًا منها، وإنَّما المراد إخراجها من قلبه بالكلّية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تُساكِن قلبَه وإن كانت في يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك، وهي في قلبك؛ وإنَّما الزهد أن تتركها من قلبك، وهي في يدك. وهذا كحال الخلفاء الرَّاشدين، وعمر بن العزيز الذي يضرب بزهده المثل، مع أنَّ خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيّد ولد آدم ﷺ حين فُتِحَ عليه٤ من الدنيا ما فُتِحَ، ولا يزيده ذلك إلا
(١) "ك، ط": "فهذا ونحوه"، وقد سقط "نحوها" من "ب".
(٢) "ف": "اليقين"، تصحيف.
(٣) "ف": "عليها"، تحريف. "ط": "تخليها".
(٤) "ط": "فتح اللَّه عليه".
زهدًا فيها.
ومن هذا الأثر المشهور، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا: "ليس الزهدُ في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنّ الزهدَ في الدنيا أن تكون بما في يد اللَّه أوثقَ منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصِبْتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنَّها بقيتْ لك"١.
والذي يصحّح هذا الزهد ثلاثةُ أشياء:
أحدها: علم العبد أَّنها ظلٌّ زائل، وخيالٌ زائر، وأنَّها كما قال تعالى فيها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾[الحديد/ ٢٠]٢.
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٤٠) وقال فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلآ من هذا الوجه. . . وعمرو بن واقد منكر الحديث"، وابن ماجه (٤١٠٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٨) من حديث أبي ذر مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًّا. والصواب أنَّه من قول أبي مسلم الخولاني، أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد (١٨) من حديث الخولاني موقوفًا عليه. (ز).
(٢) أثبت الآية في "ط" من أولها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا. . .﴾.