وسمَّاها سبحانه "متاع الغرور"١، ونهى عن الاغترار بها، وأخبرنا عن سوءِ عاقبة المغترّين بها٢، وحذَّرنا مثل مصارعهم، وذمّ من رضي بها واطمأنَّ إليها.
وقال النبيّ ﷺ: "ما لي وللدنيا! إنَّما أنا كراكبٍ قال في ظلّ شجرةٍ ثمَّ راحَ وتَرَكَها"٣.
وفي المسند عنه ﷺ حديث معناه: أنَّ اللَّه جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلًا للدنيا، فإنَّه وإن قزَحه٤ وملَحه فلينظر إلى ماذا يصير!٥
فما اغترَّ بها ولا سكن إليها إلا ذو همَّة دنيّة، وعقل حقير، وقدر خسيس!
(١) في الآية المذكورة من سورة الحديد وفي سورة آل عمران (١٨٥).
(٢) "بها" ساقط من "ط".
(٣) أخرجه أحمد (٣٧٠٩)، والترمذي (٢٣٧٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٤١٠٩) والحاكم (٧٨٥٨). والحديث صححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي. (ز).
(٤) "ك، ط": "فوّحه"، تصحيف. وقزح الطعام وقزّحه: تَوبَلَه من القِزح، وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمّون والكزبرة ونحو ذلك. النهاية (٤/ ٥٨).
(٥) ولفظ الحديث: "إن مطعم ابن آدم جُعِل مثلًا للدنيا، وإن قزَحه وملَحه، فانظروا إلى ما يصير" أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده (٢١٢٣٩)، وابن حبان (٧٠٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٥) وغيرهم من حديث أبي بن كعب. والحديث اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب. انظر: تحقيق المسند (٣٥/ ١٦٢). (ز).
الثاني: علمُه أنَّ وراءها دارًا أعظمَ منها قدرًا وأجلّ خطرًا، وهي دار البقاء؛ وأنَّ نسبتها إليها كما قال النبى ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُدخِل١ أحدُكم إصبعَه في اليمّ، فلينظر بمَ ترجع؟ "٢. فالزاهد فيها بمنزلة رجل في يده درهم زغَل قيل له: اطرحه ولك٣ عوضه مائة ألف دينار مثلًا، فألقاه من يده رجاءَ ذلك العوض، فالزاهد فيها لكمال رغبته فيما هو أعظم منها زَهِد فيها٤.
الثالث: معرفته أنَّ زهدَه فيها لا يمنعه شيئًا كُتِبَ له منها، وأنَّ حرصه عليها لا يجلُب له ما لم يُقضَ له منها. فمتى تيقّن ذلك، وصار له٥ علم اليقين، هان عليه الزهد فيها. فإنّه متى تيقَّن ذلك، وثلَج له صدرُه، وعلم أنَّ مضمونه منها٦ سيأتيه، بقي حرصه وتعبه وكدّه ضائعًا؛ والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك.
فهذه الأمور الثلاثة تُسهّل على العبد الزهدَ فيها، وتُثبّت قدمَه في مقامه. واللَّه الموفّق لمن يشاء.
النوع الثاني٧: الزهد في نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشقّها،
(١) "ك، ط": "يجعل".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥٨) من حديث المستورد بن شداد ﵁.
(٣) "ب، ك، ط": "فلك". والمثبت من "ف". وهو أقرب إلى الأصل.
(٤) "ط": "فالزهد فيها لكمال الرغبة. . زهد فيها"!
(٥) زاد في "ط" بعد "له ": "به".
(٦) "ف": "فيها"، خطأ.
(٧) من زهد المشمّرين في السير إلى اللَّه. والنوع الأول قد سلف في ص (٥٤٨).