وجميع مراتب الزهد المتقدّمة مبادٍ١ ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصحّ إلا بتلك المراتب. فمن رامَ الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها فمتعنٍّ٢ متمنٍّ، كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلَّم، كما٣ قال بعض السلف: "إنَّما حُرموا الوصول بتضييع الأصول"٤، فمَن ضيَّع الأصولَ مُنِعَ٥ الوصول.
وإذا عُرِفَ هذا فكيف يُدَّعى أنَّ الزهد من منازل العوامّ وأنَّه نقص في طريق الخاصَّة؟ وهل الكمال إلا في الزهد، وما النقص إلا في نقصانه؟ واللَّه الموفق للصواب.
(١) كذا في الأصل وغيره بتنوين الكسر، وأصله "مبادئ" بالهمزة، فلمّا سهّلها أجراها كمجارٍ.
(٢) "ط": "فتمعن"، تحريف.
(٣) "كما" ساقط من "ب، ك، ط".
(٤) كذا نقله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١١/ ٢١٢). وهو من كلام محمد ابن أبي الورد المتوفى سنة ٢٦٣ هـ، وكان هو وأخوه أحمد من جلّة مشايخ العراقيين ومن جلساء الجنيد وأقرانه. ونصّ قوله كما نقله أبو نعيم: "آفة الخلق في حرفين: اشتغال بنافلة وتضييع فريضة، وعمل جوارح بلا مواطأة القلب. وإنّما منعوا الوصول بتضييع الأصول". انظر: الحلية (١٠/ ٣٣٦)، وصفة الصفوة (١/ ٤٦٨)، وطبقات الصوفية (٢٤٩).
(٥) "ب، ك، ط": "حرم".
فصل
المثال الثالث١: التوكّل.
قال أبو العبّاس: "هو للعوامّ أيضًا؛ لأنَّه كِلتُكَ أمرَك٢ إلى مولاك، والتجاؤكَ إلى علمه ومعرفته٣ لتدبير أمرك وكفاية همّك. وهذا في طريق الخواصّ عمًى عن الكفاية٤، ورجوعٌ إلى الأسباب؛ لأنَّك رفضتَ الأسبابَ، ووقفتَ مع التوكّل، فصارَ بدلًا عن تلك الأسباب؛ فكأنَّك٥ معلَّق بما رفضتَه من حيث معتقدك الانفصال. وحقيقة التوكّل عند القوم: التوكّلُ في تخليص القلب من علّة التوكّل، وهو أن يعلم أنَّ اللَّه تعالى لم يترك أمرًا مهملًا، بل فرغ من الأشياء وقدرها. وإن اختلف
(١) تقدّم من قبل المثال الأول للإرادة، والمثال الثاني للزهد، فهذا المثال الثالث للتوكل، ولكن المؤلف ﵀ كتب أولًا: "الثالث" ثمَّ ضرب عليه وكتب "الرابع"، ومشى على هذا الترقيم! وكذا في النسخ الأخرى و"ط". ونته في حاشية "ب" على الخطأ. ولعلّ سبب الخطا أن التوكل هو الفصل الرابع في كتاب ابن العريف، والفصل الأوّل في المعرفة والعلم ولم يتكلّم عليه ابن القيّم. فلما كتب "الثالث " -وكان مصيبًا في ذلك- ثم رجع إلى كتاب ابن العريف لينقل من كلامه رأى أنّ التوكل هو الفصل الرّابع، فضرب على الثالث وكتب "الرابع"، واللَّه أعلم.
(٢) "ب": "وكلك أمرك". "ط": "وكل أمرك".
(٣) محاسن المجالس: "رأفته".
(٤) "ب، ك، ط": "الكفاية به"، وهو وهم فإنَّ رسم "الكفاية" في الأصل "اللفابه" والنقطة التي تحت الكلمة هي نقطة الفاء لكلمة "فكأنك" في السطر التالي. فظنها ناسخ نقطة الباء وقرأ: "به".
(٥) "ب، ك، ط": "فإنك". والصواب قراءة "ف". وكذا في المجالس.