والإنابة وهي الغاية، فإنَّ العبد لا بدَّ له من غايةِ مطلوبة، ووسيلةٍ١ مُوصِلة إلى تلك الغاية. فأشرفُ غاياته التي لا غاية له أجلّ منها عبادةُ ربِّه والإنابة إليه، وأعظمُ وسائله التي لا وسيلة له غيرها البتّة التوكّلُ على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة. فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف الوسائل.
وأمَّا الجمع بين التوكّل والهداية، ففي قول٢ الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا
= أبي هريرة ﵁: "فأتى بالألف دينارٍ". انظر: البخاري، كتاب الكفالة (٢٢٩١). وفي "ك": "السبعة مواضع"، وفي "ط": "السبعة المواضع".
(١) "ف": "فضيلة"، تحريف.
(٢) "ك، ط": "مثل قول".
سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم/ ١٢]. وقال ﷿ لنبيّه ﷺ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ٧٩﴾[النمل/ ٧٩]، فأمر سبحانه رسولَه١ بالتوكّل عليه، وعقَّب هذا الأمر بما هو موجبٌ للتوكّل، مصحّحٌ له، مستدعٍ لثبوته وتحقّقه، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ٧٩﴾. فإنّ كون العبد على الحقِّ يقتضي تحقيق مقام التوكّل على اللَّه، والاكتفاء به، والإيواء٢ إلى ركنه الشديد. فإنَّ اللَّه هو الحقّ، وهو وليّ الحق وناصره ومؤيّده، وكافي من قام به؛ فما لصاحب الحقّ أن لا يتوكّل عليه؟ وكيف٣ يخاف وهو على الحقّ؛ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾[إبراهيم/ ١٢]، فعجبوا من تركهم التوكّلَ على اللَّه وقد هداهم، وأخبروا أنَّ ذلك لا يكون أبدًا. وهذا دليل على أنَّ الهداية والتوكّل متلازمان.
فصاحبُ الحقِّ -لعلمه بالحقّ ولِثِقته بأنَّ اللَّه وليّ الحق وناصرُه- مضطرٌّ إلى توكله على اللَّه، لا يجد بدّا من توكله. فإنَّ التوكّل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أمَّا علمه، فيقينه بكفايةِ وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأنَّ غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأمَّا عمله، فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرّفه له فوق رضاه بتصرّفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقّق التوكّل، وهما جِماعه، وإن كان التوكّل أدخلَ٤ في عمل القلب من