طريق الهجرتين

عن هذا الفرق الكثيف١ عندهم٢ إلى أن يشهد الأفعال كلَّها طاعةً للَّه لا معصية فيها، وهو شهود الحكم والقدر، فيشهدها طاعةً لموافقتها الحكمَ والمشيئةَ. وهذا ناقص عندهم أيضًا إذ هو متضمن للفرق. ثمَّ يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعةً ولا معصيةً، إذ الطاعة والمعصية إنَّما تكون من غيرٍ لغيرٍ، وما ثَمَّ غيرٌ. فإذا تحقَّق بشهود ذلك، وفني فيه، فقد فني عن وجود السوى. فهذا هو غاية التحقيق عندهم، ومن لم يصل إليه فهو محجوب٣! ومن أشعارهم في هذا قول قائلهم:

وما أنت غيرُ الكون، بل أنتَ عينُهويَفهَم هذا السرَّ من هو ذائقُ٤

وقولُ الآخر:

ما الأمرُ إلا نسقٌ واحدٌما فيه مِن مَدحٍ ولا ذمِّ
وإنَّما العادةُ قد خصَّصَتْوالطبعُ والشارعُ بالحُكمِ٥

وقولُ الآخر:

  1. (١) "ك، ط": "للكشف"، تحريف.
  2. (٢) "عندهم" ساقط من "ب".
  3. (٣) "ب": "محجوب عندهم".
  4. (٤) البيت لابن إسرائيل، انظر: فوات الوفيات (٣/ ٣٨٣)، والفتاوى (٢/ ٨٠)، والجواب الصحيح (٤/ ٥٠٠). وفي الفتاوى (٢/ ٤٧٣): "ذائقُه".
  5. (٥) ذكرهما المصنف في الروح (٥٧٥). وقد نسبه شيخ الإسلام في الفتاوى (٢/ ٩٩) إلى القاضي تلميذ صاحب الفصوص. وقد أنشده إياه ابن عمه. وفي جامع الرسائل (١/ ١٠٥): "وكان صاحبه القاضي يقول. . . ". وانظر: الفتاوى (٢/ ٨٢، ٤٧٣) و(١٦/ ٦١).
566
وما الموجُ إلا البحرُ لا شيء غيرُهوإنْ فرَّقَتْه كثرةُ المتعدّدِ١

والقسم الثاني من أقسام الفناء هو الذي يشير إليه المتأخّرون من أرباب السلوك، وهو الفناءُ عن شهود السوى، مع تفريقهم بين الربّ والعبد وبين الطاعة والمعصية، وجعلِهم وجودَ الخالق غيرَ وجودِ المخلوق.

ثمَّ هم مختلفون في هذا الفناء على قولين: أحدهما: أنَّه الغاية المطلوبة من السلوك، وما دونه بالنسبة إليه ناقص، ومن هنا يجعلون المقامات والمنازل معلولة. والقول الثاني: أنَّه من لوازم الطريق لا بدّ منه للسالك، ولكنَّ البقاءَ أكمل منه. وهؤلاء يجعلونه ناقصًا ولكن لا بدَّ منه، وهذه طريقة كثير من المتقدّمين. وهؤلاء يقولون: إنَّ الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود، فلا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته؛ ولكن لقوَّة الوارد وضعف المحلّ وغلبة استيلاء الوارد على القلب حتَّى يملكه من جميع جهاته، يقع الفناء.

والتحقيق أنَّ هذا الفناءَ ليس بغاية، ولا هو من لوازم الطريق، بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم. وسببه أمورٌ ثلاثة:

أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه، فإنَّه إذا علم أنَّه٢ الغاية المطلوبة شمَّر سائرًا إليه عاملًا عليه، فإذا أشرف عليه وقف معه، ونزل بِواديه، وطلَب مساكنتَه، فهؤلاء إنَّما يحصل لهم الفناءُ لأنَّ سيرَهم كان

  1. (١) ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (٢/ ١٦٩، ٣٧٢، ٤٧٤) غير منسوب.
  2. (٢) "أنّه" ساقط من "ب".
567

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي